١٠ محرم ١٤٤٢ هجري

الدين بين الترهل والاختزال

الدِّينُ بَيْنَ التَّرَهُّلِ وَالاِخْتِزَالِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧-١٨]

عنوان بحثي في هذه الليلة هو "الدين بين الترهُّل والاختصار"، وهي إشكالية معرفية جوهرية تمسّ فهمنا لطبيعة الرسالة السماوية ووظيفتها في حياة الإنسان.

النقطة الأولى: الترهُّل في فهم الدين

هناك تصوّر سائد لدى البعض مفاده أنَّ رسالات السماء معنيّة بأن تعالج كلَّ صغيرةٍ وكبيرة، وقد ظهرت فرضيّات ونظريّات وطروحات تحت عنوان "أسلمة العلوم"، تفهم أنَّ الدين هو الذي يجيب عن كلِّ شيء، وتُلخِّص دور المتديِّن والإنسان المتعبِّد في التلقّي من الدين والتنفيذ فقط.

كما ظهر في لاوعينا الجمعي توقّعٌ من الدين أن يعالج مشاكلنا التطبيقيّة والعمليّة، سواء ما نواجهه من مشاكل اجتماعية أو صحيّة؛ فهناك انتظارٌ بأنَّ الدين هو الذي يقوم بعلاج هذه المشاكل. وإذا تأمَّلنا في هذا الطرح الأول وذلك التوقّع الثاني، نجدهما يشتركان في فهمٍ مغلوطٍ للدين، يقوم على أنَّ الدين يزحف على مساحة الاختيار الإنساني.

مساحة الدين ومساحة الاختيار

هناك جدلٌ قائم حول ما هي مساحة الدين أو النصّ، وما هي مساحة العقل؛ وإشكاليّة أخرى حول ما هي مساحة الدين وما هي مساحة الاختيار. هل الدين معنيٌّ بأن يقدِّم لنا في مستوى النظرية وفي مستوى التطبيق الحلول الجاهزة على طبقٍ من ذهب؟ أم أنَّ الدين معنيٌّ بمساحةٍ معيّنة، وتُترك المساحة الأخرى للاختيار وللإرادة وللتأمّل ولمتابعة تفكير البشر ودراستهم ومعاناتهم ومجاهدتهم، فهم يصنعون قدرهم؟

أيّهما الصحيح؟ هل الصحيح أنَّ الدين قدَّم لنا فيزياء إسلامية، وكيمياء إسلامية، وطبًّا إسلاميًّا، وفلكًا إسلاميًّا، بحيث نأتي وننظر - وقد سمعنا هذه اللغة من الكلام تحت عنوان "أسلمة العلوم" - هل الدين معنيٌّ بأن يقدِّم لنا علومًا تقع في خطٍّ موازٍ للعلوم البشرية أم لا؟ هل الدين معنيٌّ بأن يعالج لنا الأوبئة والكوارث والزلازل والمشاكل الاجتماعية والسياسية؟ هل القائمون على الدين معنيّون بالتصدّي لمعالجة هذه الظواهر، والبشريّة اليوم في حراكٍ مستمرّ، والحراك بطبيعته يُفرز مشاكل باستمرار؟ فهل الدين معنيٌّ بأن يعالجها بحيث كلَّما حصلت مشكلة نطرق باب رجل الدين لعلاجها؟

هذا هو السؤال: هل هذا هو المعنى الصحيح للدين، أم أنَّ الدين وولاته والقائمين عليه معنيّون بمساحةٍ معيّنة، والمساحة الأخرى متروكةٌ لاختيار البشر وبذل جهدهم وطاقتهم؟

فهمي أنَّ الثاني هو الصحيح. من الخطأ بمكان أن نتلقّى أطروحة السماء على أنَّها تأتي لتعالج لنا كلَّ شيء، لأنَّ ذلك يعني أنَّها تقضم من اختيارنا وتأخذ من جرف إرادتنا. وفي نهاية المطاف سوف يستفزّ ذلك إرادتنا واختيارنا، لتظهر حينئذٍ طروحاتٌ مضادّةٌ للدين، تدعو إلى إقصاء أصداء الأطروحة الدينية وإقصاء رجال الدين وحشرهم في زاويةٍ ضيّقة.

من البداية لا داعي أن نطرح الدين بطريقةٍ نتمدّد بها على حساب المهمّة الملقاة على عاتق البشر، كي نأخذ موقع الدفاع عن الدين ومقولاته. من البداية يجب أن تُحدَّد المساحات، وهذا ما أسمّيه بـ**"الترهُّل"**؛ فهذا الفهم المترهِّل يستبطن في أعماقه القضم من جرف الاختيار والإرادة الإنسانية وحرية الإنسان.

التعبّد بما طرحه الدين لا بما لم يطرحه

الدين طرح محدِّداتٍ عامّة، وطرح أُطرًا وتفاصيل، وبكلِّ وضوح: كلُّ ما يطرحه الدين نتعبّد به. لكن لا ينبغي أن نحمِّل الدين ما لا يطرحه وما لم يطرحه. نحن لسنا الآن في صدد مناقشة التعبّد في الدين، كلَّا وألف كلَّا؛ فالدين ضمن منظومتنا العقليّة نؤمن أنَّ ما يطرحه نتعبّد به ولا نقاش فيه. كلّ الكلام هو: هل طرح الدين كلَّ شيء أم لم يطرح كلَّ شيء؟

لكي تفهم أنَّنا لا نريد أن ننافس الدين على مساحته، ولا نريد أن يتمدّد الدين على حسابنا، فنقول لإلهنا: كفى، أعوذ بالله! بل كلّ ما يقوله الدين بأدقّ التفاصيل - وهذا فقهنا اليوم بأدقّ التفاصيل التي يتناولها - نتعبّد به ولا نناقش فيه أبدًا. إنّما الكلام: هل تناول الدين كلَّ التفاصيل؟

إذا جاءت السماء من خلال الرسل والكتب وقالت: أنا أتدخّل في كلّ شيء، آمنّا بالله ولا بأس، نتعبّد بهذه إرادة السماء ونلتزم بها. لكن ما في أدنى نصوصٍ توضِّح أنَّ السماء أرادت أن تتدخّل في كلِّ شيء وتحوِّل الإنسان إلى مجرّد مستجيبٍ عليه أن يطبِّق وينفِّذ فقط، بل تركت مساحةً للتعقّل. فآياتٌ كريمة وافرة تدعو للتعقّل والتدبّر والتفكّر - تفكّر في آلاء الله، تفكّر في عظمة الله - وهذا كلّه لا ينسجم مع افتراض أنَّ الأطروحة الدينية جاءت وغطَّت كلَّ التفاصيل.

تغليف الكسل باسم الدين

وأخشى ما أخشاه أن تستمرّ مثل هذه المقولات والتوقّعات لتكون يافطةً لكسلٍ خفيٍّ في شخصيّتنا؛ فالإنسان بطبيعته عنده نسبةٌ من الكسل والتسويف، فأحيانًا تُستخدَم مثل هذه المقولات - التي هي أقرب إلى الشعارات ولم أجد لها أدلّةً متينة تدعمها - لتكون مبرِّرًا ومدخلًا للتكاسل والتواكل.

علينا أن نكون واضحين مع أنفسنا، بل الإنسان على نفسه بصيرة: الشيء الذي يأتي به الدين نتعبّد فيه، فيمتثله سمعًا وطاعةً ويكون دورنا دور التطبيق والتنفيذ. والشيء الذي تركه الدين تركه لجهدنا ولعقلنا ولمعاناتنا؛ فبعض الأشياء تحتاج إلى معاناةٍ طويلة، وتحتاج إلى تراكمٍ، وإلى مؤسّساتٍ، وإلى طرق عمل، وعلينا أن ندخل فيها بشجاعة، لا أن نغلِّف كسلنا وتواكلنا تحت يافطة أنَّ هذه مسؤوليّة الدين أو المؤسّسة الدينية أو رجال الدين.

والأمر الأكثر تعقيدًا هو حين يصرِّح رجل الدين بأنَّ هذه المساحة ليست مساحته، فيُرَدّ عليه بأنَّ هذا الأمر ليس معنيًّا به من الأساس، بل يُطرَح في قباله نظريّة أخرى - فهنا خطأٌ مركّب: أصل التلقّي غير مستدلٍّ عليه، وفكرة الشموليّة بهذا الشكل هي عمليّة تغليف كسلٍ عمليّة.

أصوات الدفاع عن الحرية

وقد تكون منّا نحن الذين نتوقّع من الدين أن يدخل في كلِّ شيء أصواتٌ تظهر للدفاع عن الحريّة والإرادة الحرّة والكرامة الإنسانية والاختيار الإنساني، بدعوى أنّنا تحوّلنا إلى عبيد. فمن قال إنّ علماء الدين أو منظّريه أو مفكّريه يحاولون مصادرة اختيارك أو إرادتك أو التمدّد على مساحتك؟

نحن بحاجةٍ دائمًا إلى مراجعةٍ مستمرّة لمتبنّياتنا، وأهمّ من ذلك أن نستثير لاوعينا، لأنّنا أحيانًا نتحرّك بطريقةٍ غير واعية، نفترض فرضيّاتٍ باللاوعي، ونحمِّلها على الآخر، ثمّ ننتقد الآخر، فتتضاعف المشكلة وتتراكم، في حين أنَّ القضايا من البداية منفصلةٌ نظريًّا ومُفرَزةٌ نظريًّا، ولكن لا يوجد توجّهٌ صحيحٌ لها.

نريد الأسهل دائمًا؛ فالإنسان الذي يعيش الازدواجيّة يبحث عن السهولة، ويُورَّط في مثل هذه المقولات. ننتظر من الدين أن يعالج لنا الأوبئة! ما معنى أن يعالج الدين الوباء؟ هناك شيءٌ متروكٌ علينا، وهذا الترك يقتضي منّا آليّاتٍ وخطواتٍ وقراراتٍ، وهذا يُتعبنا أحيانًا، فنريد أن نبقى أحرارًا، والحريّة مسؤوليّتنا، فنحاول أن نحمِّلها على الدين ليعالجها لنا، وهذا غير صحيح.

ما على الدين ما هو معنيٌّ به، وما على البشر يجب أن يبذلوا فيه كامل جهدهم. من المهمّ لنا أن نقرِّر مصيرنا بأيدينا؛ قبولنا للدين جاء بالعقل، ويوم انتهينا ووجدنا دليلًا كافيًا على أنَّ الدين يغطّي كلَّ شيء، نتعبّد به، لكن ما في أدنى دليلٍ يتجاوز حدود ما تدخّل فيه الدين، وهذه كتب علماء الدين نتعبّد بما فيها، أمّا ما عداها فقد تُرِك لنا.

اليوم نرى شريحةً تجاوزت هذه الإشكاليّة نظريًّا، فراحت تدرس العلوم الطبيعيّة ضمن ما تركه البشر من تراث، لكنّها في وعيها ما زالت تفكّر بطريقةٍ شموليّة، وهذا هو ازدواج الشخصيّة وإشكاليّة الإنسان.

أُكرِّر: لم أجد دليلًا واضحًا على أنَّ الدين معنيٌّ بأن يقدِّم لنا كلَّ أسرار الكون كي نتعبّد بها. فإذا تمكَّن أحدٌ من تقديم دليلٍ ناضجٍ على أنَّ الدين معنيٌّ بأن يضع كلَّ أسرار الكون في كتبه وعلى لسان رسوله وأوصيائه، فلا إشكال لدينا، فليأتِ بالدليل، وإلّا فلنكن أصحاب قضيّة، ولنكن شجعانًا وواقعيّين، لأنَّ كثيرًا من مشاكلنا اليوم إذا تصدّينا لها يكون لنا شرف التأسيس، ونكون مصداقًا للحديث الشريف:

«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»

هذه هي النقطة الأولى المرتبطة بالترهُّل في فهمنا للدين، سواء في المستوى النظري أو في مستوى توقّعاتنا ولو من خلال لاوعينا.

النقطة الثانية: الاختزال في فهم الدين

في المقابل، وجدنا في بعض أوساطنا العكس تمامًا: عمليّة اختصارٍ واختزالٍ للدين ولدوره ولمهمّته وتعاليمه، حيث يُحاوَل حشر الدين في زاويةٍ ضيّقة، وإفساح مجالٍ رحبٍ وواسعٍ للعقل الإنساني وللتجربة الإنسانية دون وجه حقّ.

ومرّةً أخرى أُكرِّر: نحن أبناء الدليل أينما مال نميل. فإذا دلَّ الدليل على أنَّ الدين تحدَّث بالكليّات وترك ما تحتها لنا، فلا نُنازع في ذلك. لكن إن جاء الدليل - القرآن والسنّة - يتناول مساحاتٍ معيّنة، فأحاول أن أتغافل عنها وأدفع باتّجاه حشر المنظومة الدينية في زاويةٍ ضيّقة، فهذا أيضًا خطأٌ استراتيجيٌّ نرتكبه.

الحسين عليه السلام نموذجًا

الحسين عليه السلام نموذجٌ واضحٌ لهذه الإشكاليّة، فلنصفه أوّلًا حتّى أُبيِّن أين تصير عمليّة الاختصار في قضيّة سيّد الشهداء.

نحن نؤمن أنَّ الإمامة ليست للشيعة فقط، بل لكلِّ البشريّة. الرسالة الإسلاميّة جاءت لجغرافيا معيّنة وقومٍ معيّنين؟ لا، بل جاءت للبشريّة كافّة، والإمامة امتدادٌ للرسالة، وبالتالي فإنَّ الحسين إمامٌ للبشريّة كلّها، علمًا ومشروع هدايةٍ لي ولك وللبشريّة جمعاء، لا لفئةٍ معيّنة. فالإمام إمامٌ للناس، وليس إمامًا لمذهبٍ معيّن أو طائفةٍ أو قبيلةٍ أو قوميّةٍ أو جغرافيا معيّنة، بل هو إمامٌ لعموم البشريّة، يحمل مشروع هدايةٍ لها جميعًا.

كما أنَّ الدين يتعامل بواقعيّة، ويعلم أنَّ البشريّة لا تُجمِع عليه، وهذا واقعٌ بشريٌّ لا مبرِّر لمناقشته: البشريّة اختلفت في كلِّ شيء، حتّى في البديهيّات والفطريّات، اختلفت في وجود ربّها، وفي التوحيد، وفي الرسالات، وفي الإمامة، وفي الاجتهاد والمواقف. لا يوجد اليوم شيءٌ لم تختلف فيه البشريّة، وهذا واقعٌ بشريٌّ بغضّ النظر عن كونه مبرَّرًا أم لا.

هل خطاب كربلاء خطابٌ للإنسانية أم لفئةٍ معيّنة؟

فمن هنا نسأل: خطاب كربلاء، خطاب سيّد الشهداء، هل هو خطابٌ للإنسان؟ للمسلمين؟ للشيعة؟ أم لفئةٍ معيّنة من الشيعة؟ من يأتي ليُحوِّل سيّد الشهداء إلى رمزٍ لمذهبٍ معيّن أو دينٍ معيّن، فإنّه يختصر سيّد الشهداء. فسيّد الشهداء جاء بقضيّةٍ لامست فطرة الإنسان، لا مرتكزات المسلمين أو ثوابت الشيعة فقط. فمن الواجب علينا أن نعرض سيّد الشهداء بحجم مهمّته، وهي أنَّه إمامٌ للجميع. ومن الخطأ بمكان أن نختصره بأنَّه إمامٌ للمسلمين أو للشيعة أو لبعض الشيعة فقط.

فمن هنا نجد بعض الكلمات هنا وهناك تقول إنَّ سيّد الشهداء ثار من أجل إرساء أطروحة السلطة الدينية، فيُختصَر كلُّ ثورته بأنّها لإقامة حكمٍ دينيّ. فكيف أعتبر هذا خطابًا للبشريّة كافّة، وأنا أطالب البشريّة - التي قد لا تؤمن بالدين أصلًا لكنّها تؤمن بثوابت وكليّات عامّة - أن تتّعظ بمن ثار من أجل إقامة حكمٍ دينيّ؟ هنا يُختصَر سيّد الشهداء وتُختصَر هذه الحركة الجبّارة التي بكت عليها السماوات والأرضون، وتحدّث عنها الأنبياء السابقون، وتحدّث عنها الرسول الأعظم، وشُرِّعت لأجلها شعائر إحياء الأمر؛ يُختصَر كلّ ذلك في رهانٍ واحدٍ هو إقامة حكمٍ دينيّ.

الفرق بين الاجتهاد المحترم وفرض الرأي

هنا أُريد أن أوضِّح أمرًا مهمًّا: أنا أحترم الاجتهاد تمامًا، ولا مانع عندي منه أبدًا، فمجتهدو الإماميّة ومجتهدو الإسلام ومجتهدو الأديان علَّمونا أن نختلف، وأنا أحترم هذا وأحترم الاجتهاد والتخصّص. إنّما الذي أريد الإشارة إليه ليس مناقشة اجتهادٍ معيّن، بل رفض أن يُفرَض عليَّ هذا الاجتهاد. ما أسمّيه اختصارًا ليس هو الاجتهاد نفسه، بل هو أن يقول أحدهم: هذا اجتهادي، أستوحيه وأستلهمه وأستنبطه بطريقةٍ تخصّصية من حركة سيّد الشهداء، على أنّه يرسل لنا دعائم فقهيّةً لنمطٍ سياسيٍّ معيّن، فهذه رؤيةٌ اجتهاديّة أحترمها ولا مشكلة عندي فيها. أمّا أن يُفرَض هذا الاجتهاد ويُشطَب على كلِّ الاجتهادات الأخرى، وتُستعمَل لغة الإقصاء والتخوين، فهنا تبدأ المشكلة، وهنا يبدأ اختصار سيّد الشهداء، لا بالشيعة فقط، بل بفئةٍ من الإماميّة.

عندئذٍ نكون قد ابتعدنا عن الإنسان، وابتعدنا عن المسلمين، وابتعدنا عن الشيعة، واختصرنا كلَّ ذلك بفئةٍ معيّنة، وهذا هو الخطأ. نحن قادرون على أن نكون بمستوى الأطروحة الدينية إذا صار عندنا ثقافة التعدّدية: أن أقول إنَّ هذا رأيٌ اجتهاديٌّ أحترمه، أقبله أو لا أقبله، هذا موضوعٌ آخر، لكنّني أحترمه. أمّا أن يُراد فرض هذا الرأي عليَّ، بحيث إذا آمنت باتّجاهٍ آخر أُتَّهم بالخيانة، فهذا ما لا أقبله. رأيك محترمٌ، ورأيهم محترمٌ، واستنباطك محترمٌ، واستنباطهم محترمٌ. هذا ما أقوله: لن أختصر الأطروحة الدينية وأقزِّمها وأفصلها على مقاسٍ معيّن، فالدين جاء لكلِّ المقاسات.

والعكس أيضًا صحيح: لو جاء أحدٌ وفرض اجتهاده بأنَّ الحسين عليه السلام لم يخرج لإقامة السلطة، فهذا أيضًا رأيٌ محترم، وكلّ من يقول غير هذا لا يُقصى ولا يُتَّهم؛ فهذا الإقصاء أيضًا مرفوض.

عقليّة التعميم والإطلاق

هذا الإشكال يرجع إلى عقليّةٍ موجودة اسمها عقليّة التعميم والإطلاق، وعدم التمييز بين التعامل مع الظواهر النسبيّة والمقولات المطلقة. فبعض المقولات مطلقةٌ لا نختلف عليها، مثل الإيمان بالله، فهو ظاهرةٌ مطلقة، حَسَنٌ مطلوبٌ على الإطلاق. أمّا التعبير عن الإيمان، فقد جاء القرآن الكريم يقول:

﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦]

فجعل استثناءً، وفرَّق بين المفاهيم المطلقة والمفاهيم النسبيّة الظرفيّة.

فإذا افترضنا أنَّ الحسين عليه السلام جاء يؤسِّس فقه الدولة أو فقه السلطة، أفيكون الإمام الحسن خارجًا عن خطّ الحسين؟ أو الإمام الباقر أو الإمام الصادق خارجَين عن خطّه؟ سيُقال: إنَّ ظروفهم لم تسمح. إذن نحن نتّفق على النسبيّات والظرفيّات، ولا نريد أن نقول أكثر من هذا.

من المهمّ أن نفهم أنّه كلّما كانت تجارب الأمم والشعوب متباعدةً زمانيًّا ومكانيًّا، تأتي المقاطع متشابهةً وإن اختلفت الظروف من زمنٍ إلى آخر. وإذا استوعبنا هذا، حينئذٍ نستطيع أن نتكامل بدلًا من أن نتنازع، ونحن بحاجةٍ دائمة إلى التكامل لنستطيع أن نعالج مشاكلنا ونطوِّر أنفسنا.

التكامل بدل التشرذم

اليوم لا ينقصنا شيءٌ من الدين، ولا ينقصنا شيءٌ من الثروة أو الموارد البشريّة أو الجغرافيا؛ الذي ينقصنا هو التدبير. فبقدر ما نعالج هذه المنهجيّات في حياتنا، بقدر ما نتجنّب أخطاءً متكرِّرة. نحن بحاجةٍ إلى أن نتكامل، وأن يجمع بعضنا بعضًا، وأن نجعل تعدّد الاجتهاد وتعدّد الرؤى وتعدّد الفكر مادّةً للتكامل، لا مادّةً للتشرذم والفوضى.

فإن قيل: إذا كان الحسين على هذا النحو، أليست هناك كليّاتٌ متّفقٌ عليها؟ نعم، هناك كليّاتٌ متّفقٌ عليها: الحسين وُجِد للجميع - الشيعيّ والسنّيّ والمسيحيّ - وكلّ من يريد أن يستفيد من الحسين، وجد فيه الممانعة من الذوبان في السلطة، وممانعة فكرة عبادة السلطة والتنظير لها ولو كانت على باطل، وممانعة فكرة تحويل السلطة إلى غايةٍ مطلقة. جاء الحسين وضرب هذه الفكرة على رأسها، وجعل السلطة وسيلةً لا غاية.

وقد أحيا الحسين كلمات عليّ بن أبي طالب حين عبَّر عن الدنيا كلّها بقوله إنّها كعِفطة عنزٍ، وطلّقها ثلاثًا لا رجعة فيها. وهذه هي قضية سيّد الشهداء التي تمكَّن الجميع أن يستفيد منها: إنَّ السلطة ليست قضيّةً مطلقة، بحيث نكون مستعدّين أن نتنازل عن كلِّ شيء، حتّى المبادئ والثوابت، من أجل حفظ السلطة. عندنا الأولويّة للمبدأ، والأولويّة للعدالة، والأولويّة لحرّية الإنسان وإرادته، لا أولويّة للسلطة؛ فالسلطة أداةٌ من الأدوات، وإذا لم توفِّر العدالة، نستطيع أن نوفِّرها في جوٍّ آخر.

فمن يقرأ تاريخ علمائنا يجد أنَّ مسألة السلطة لم تكن رهانهم، ولم يكونوا يحابون السلطان ولو كان من مذهبهم، إلّا بقدر ما يقترب أو يبتعد عن توفير العدالة. وقد أحيا سيّد الشهداء مقولة عليّ عليه السلام: إنَّ التزاحمات قد تفرض عليك تأجيل بعض الخطوات، كقوله: "لأُسلِّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن الجَوْرُ إلَّا عليَّ خاصّة".

الجمع بين المتناقضات الظاهريّة

الحسين علَّمنا المقاومة، وعلَّمنا الدفاع عن المبدأ، وعلَّمنا أنَّ الموت أولى من الحياة أحيانًا، وأنَّ العار أولى من دخول النار، حين قال:

«أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً»

وقد قالها الأئمّة جميعًا، لكنَّ التوقيتات خدمت سيّد الشهداء بالذات. فحينما تصل الأمور إلى مستوى يستدعي المقاومة، نقاوم؛ وحينما تقتضي الظروف أن نكون عقلاء وسادة العقلاء، نكون كذلك. وكلّ التعاليم الدينية علَّمتنا كيف نهضم هذه المتناقضات الظاهريّة: وقت الموقف موقف، ووقت السكوت سكوت، فـ"التقيّة ديني ودين آبائي" دينٌ، و"أما والله إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة" دينٌ أيضًا، وقد جمعهما سيّد الشهداء في عاشوراء.

فموقف الحسن عليه السلام دينٌ، وموقف الحسين دينٌ، وموقف زين العابدين - رجل الدعاء والعبادة والنسك - دينٌ، وموقف الباقر والصادق دينٌ، وموقف الرضا الذي دخل بلاد المأمون دينٌ. مطلوبٌ من الباحثين المتخصّصين أن يدرسوا هذه المواقف مجتمعةً، لتتّضح هذه الأطروحة.

وأُكرِّر المتَّفق عليه: إنَّ سيّد الشهداء أعطانا حالة الممانعة، وجعل السلطة ليست الغاية القصوى، بل السلطة ما دامت تُحيي الحقّ يُقَف معها، وإلّا وقف بالضدّ منها. هذا ما أفهمه في المتّفق عليه. أمّا المختلَف عليه، فلست في صدد مناقشة رأيٍ على حساب رأيٍ آخر، إنّما أقول: لا تفرض رأيك عليّ ولا أفرض رأيي عليك في مساحة الاجتهاد، فهنا نترك فرصةً لتعدّد الآراء، ونهضم هذه التعدّدية بدلًا من أن نرفضها، لكي نقدِّم سيّد الشهداء نموذجًا للإنسانيّة جمعاء، في هذه الليلة، ليلة عاشوراء، ليلة مقتل سيّد الشهداء.