شهر رمضان٢ رمضان ١٤٤٧ هجريمسجد ال الرسول بغداد - حي القاهرة، بغداد، العراق

المعرفة وأثرها في سلوك الإنسان

شهرُ اللهِ: بينَ قداسةِ الزمانِ وضرورةِ الإيمانِ

مقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا الأعظم محمد وآله الطيبين الطاهرين، سيّما بقيّة الله في الأرضين الحجة بن الحسن العسكري عجّل الله فرجه. نسأل الله أن يتقبّل أعمالكم، وأن يوفقكم لصيام هذا الشهر وقيامه. وسأوزّع الحديث على نقطتين، فإن بقي من الوقت شيء ذكرنا نقطة ثالثة.

النقطة الأولى: شهرُ رمضان زمانٌ مقدَّس

نبدأ بالمقطع الأول من خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أقبل شهر رمضان، إذ قال:

«أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، وهو شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله؛ أنفاسُكم فيه تسبيح، ونومُكم فيه عبادة، وعملُكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنيّاتٍ صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقيَّ مَن حُرِم غفرانَ الله في هذا الشهر العظيم».

أربعُ مناسباتٍ مجتمعة

قبل أن نُكمل شرح هذا المقطع، لا بدّ أن نلاحظ أن شهر رمضان ليس ظاهرة بسيطة، بل ظاهرة مركّبة، فهو مَجمعٌ لعدة مناسبات في آن واحد:

  1. زمانٌ مقدّس: فهو أفضل الشهور بعيدًا عن وجوب الصوم فيه؛ فهذه قضية أخرى. هو "شهر الله" بذاته، زمان مقدّس.

  2. فريضة الصوم: وهي ركن من أركان الإسلام، بل فريضة أديانية عامة، كما قال تعالى:

    ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]

    وهي فريضة تحمل سِمَة مميزة عن سائر الفرائض، إذ ورد في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به».

  3. نزول القرآن الكريم: والقرآن معجزة الإسلام الخالدة، معجزة الرسول الأعظم التي قُدِّر لها أن تحتفظ بإعجازها إلى قيام الساعة، ونزوله كان في هذا الشهر:

    ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]

  4. ليلة القدر: وهي بعيدًا عن كونها ليلة نزول القرآن، زمانٌ مميّز في ذاتها:

    ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]

فهذه أربعة أمور تجتمع في شهر رمضان، ثم تأتي الجمعة في موسمها؛ فيفهم الإنسان عندئذٍ أهمية هذا الشهر الشريف.

الشخصُ المقدَّس، والكتابُ المقدَّس، والمكانُ المقدَّس، والزمانُ المقدَّس

الدِّين أتانا بمقدّسات متعددة: قدّم لنا الشخصية المقدسة، وقدّم لنا الكتاب المقدس، وقدّم لنا المكان المقدس، وقدّم لنا كذلك الزمان المقدس. ومن أبرز الأزمنة المقدسة شهر رمضان الذي وُصف بأنه "شهر الله"، "شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله".

فلنُعِد قراءة المقطع مرة أخرى بتأمل: «أنفاسُكم فيه تسبيح، ونومُكم فيه عبادة، وعملُكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب». والسؤال هنا: كيف تكون الأنفاس تسبيحًا، والنوم عبادة؟

أقسامُ أفعال الإنسان

لفهم هذا المعنى، لا بدّ أن نُقسّم أفعال الإنسان وممارساته إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أفعال غير اختيارية، وهي ما صُمِّم الإنسان عليها بطبعه، كحركة الدورة الدموية وحركة الأجهزة الداخلية. هذه ليست باختيارية أبدًا.

القسم الثاني: ممارسات اختيارية، عن وعي وقصد وإرادة، وهذه بدورها تنقسم إلى صنفين:

  • الصنف الأول: أفعالٌ عباديةٌ بذاتها، لا تحتاج إلى نيّة تُلبسها ثوب العبادة، كالتسبيح؛ فلا يحتاج الإنسان أن يقول "أسبّح بنيّة القربة" حتى يكون التسبيح عبادة، بل هو عبادة بذاته. وكذلك الاستغفار والذكر والسجود والركوع، هي حقيقةُ عبادةٍ في ذاتها.

  • الصنف الثاني: أفعالٌ حياديةٌ في تركيبتها، كالإمساك عن الطعام والشراب، فقد يكون رجيمًا صحيًّا وقد يكون عبادة، وذلك متى صُبِغ بصبغة العبادية، أي أن يقوم به الإنسان امتثالًا للتوجيه الإلهي وقربةً إلى الله تعالى. فالإمساك عن الطعام ستّ عشرة ساعة في بعض الحميات الغذائية لا يُسمّى صومًا عباديًّا، بينما هو في رمضان صومٌ متى نُوِيَ به التقرّب إلى الله.

وكذلك الحال في الحج: الوقوف بعرفة أو زيارة المشاهد قد يكون سياحة، وقد يكون نسكًا يُكتسب صفة العبادية إذا جيء به بنية القربة، كما في نسك حج التمتع، بخلاف من يزور تلك المشاهد في موسم العمرة لمجرد المشاهدة والاستطلاع.

فعندنا إذن أفعال بطبيعتها حيادية في تركيبتها، وأنت مَن يجعلها عبادية بالنية والقصد. وعندنا أفعال بطبيعتها عبادية، وأنت مَن يمكن أن تُجهدها فتحرفها عن مسارها، كأن تسجد للصنم أو للشيطان أو للآلهة الصغيرة، فتتحول عندئذٍ إلى عبادة شركية.

النومُ الشهيقُ والزفيرُ: عبادةٌ بلا نيّة

من هنا نفهم قول النبي صلى الله عليه وآله: «أنفاسُكم فيه تسبيح، ونومُكم فيه عبادة». فالنَفَس يدخل في القسم الأول، غير الاختياري؛ فالإنسان بطبيعته وتصميمه يأخذ شهيقًا ويخرج زفيرًا، وكذلك النوم "سلطان يفرض نفسه على الإنسان". فالنبي صلى الله عليه وآله جعل من هذا القسم غير الاختياري، الذي هو أصلًا خارج نطاق الاختيار، قسمًا عباديًّا بذاته، تمامًا كالسجود والركوع والتسبيح، دون حاجة إلى نية تصاحبه.

وهذا يكشف لنا عظمة هذا الزمان المقدس؛ إذ صار الإنسان في رمضان كتلة عبادة لله بلا حاجة إلى تنويه، وكل ما يُطلب منه شيء واحد: ألا يُجهد هذه العبادة الذاتية، أي ألا يصرفها بالحرام أو بالرياء أو بعمل لا يرضي الله. فإذا التزم الإنسان بحياته اليومية دون ارتكاب معصية، فإن كل حركاته وسكناته في هذا الشهر تُحتسب له أجرًا، لأنه لم "يُجهدها" عن مسارها العبادي.

كيف نتحسّس الزمان المقدس؟

الشخص المقدس يمكن أن نتعرّف عليه بالحسّ، والكتاب المقدس يمكن أن يكون بين يديك (القرآن الكريم)، والمكان المقدس يمكن أن نتحسّسه كمزار لأحد الأولياء أو مسجد من مساجد الله. أما الزمان المقدس فلا يُرى بالعين المجردة، وإنما نتحسّس جوًّا معينًا، كما نتحسّس في الربيع جوًّا خاصًّا لا نجده في الصيف أو الشتاء. وكذلك نجد في شهر رمضان بيئةً ومناخًا خاصًّا، فرصة كبيرة، ولهذا قال النبي: «فإن الشقي مَن حُرم غفران الله في هذا الشهر الشريف»، وورد في الروايات الشريفة: «مَن لم يُغفر له في هذا الشهر لم يُغفر له إلى العام المقبل».

هذه فرصة مفتوحة، بلا حساب ولا كتاب؛ تدخل هذا الشهر وتخرج منه كيوم ولدتك أمّك، تمامًا كما ورد في نسك الحج أن الملَك يصيح: «اليوم رجعتَ كيوم ولدتك أمك، فاستأنف العمل». فشهر رمضان كذلك، يخرج منه الإنسان مصفَّى نقيًّا، ليبدأ مشوارًا جديدًا من العيد إلى العام المقبل.

الرهانُ على مواسمِ المغفرة

هذا الزمان بالنسبة إلينا، نحن الذين اخترنا بكامل إرادتنا ووعينا طريق التديّن والإيمان، رهانٌ لا ينبغي أن نبخس حقّه. ونحن بحاجة إليه، كما جاء في دعاء الافتتاح: «وأيقنتُ أنك أنت أرحمُ الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشدُّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة». فلو كنا فقط أمام رحمته لتسامحنا في كل شيء، ولكن أمامنا كذلك شدّته في موضع العقاب. وفي دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام ما يوقظ الإنسان على حقيقة المعصية وحقيقة السوء.

فرهاننا لا ينبغي أن يكون على كثرة العبادة وحدها بقولنا "نحن مؤمنون" أو "جئنا بأعمال صالحة كثيرة"، فهذا كله معرَّض للخطر، كما سنبيّن في النقطة الثانية. بل ينبغي أن نستثمر هذه المواسم، فرهاننا على الشفاعة قليل، ورهاننا على مواسم كهذه أقلّ. فحتى الحج الذي ورد فيه: «مَن لم يُغفر له في هذا الشهر لم يُغفر له إلى قابل إلا أن يشهد عرفة»، لا يشهده إلا نسبة قليلة من الناس، بينما شهر رمضان فرصة عامة للجميع.

هذا الشهر تصبح فيه الأشياء كلها كأنها مجانية، وكل ما يُطلب من الإنسان أن يُحسن التركيز فيه. أما إذا أساء الإنسان في هذا الشهر الشريف، فإساءته لا تُحسب كإساءته في سائر الأيام؛ فمن يجلس على مائدة الكبار لا تُحسب إساءته كإساءته في بيته، وهذا شهرٌ دُعينا فيه إلى ضيافة الله، على مائدة السماء.

النقطة الثانية: العلمُ وسيلةٌ لا غاية

كفى بالعلم كمالًا أن يدّعيه من ليس فيه

من كلام أمير المؤمنين عليه السلام:

«قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنه، وكفى بالعلم كمالًا أن يدَّعيه مَن ليس فيه»

فقد نرى مَن يتفاخر بأنه "أمّيّ لا يحسن الكتابة"، ونرى مَن يتفاخر بأنه "عالمٌ فهّامة" وهو مزيَّف، لا يعرف من كتاب الله آية واحدة. وهذا دليل على أن العلم كمالٌ حقيقي، وقيمة كل امرئ ما يُحسنه، لا ما يملكه ولا شكله ولا جماله ولا نسبه ولا حسبه.

علّق الخليل الفراهيدي على هذه الكلمة بقوله: إنها أحثّ كلمة على طلب العلم على قصرها. ويقول الشريف الرضي: إنها كلمة لا تُصاب لها قيمة، ولا تُوزن بها حكمة، ولا تُقرن إليها كلمة أخرى، فهي سيدة الكلمات.

العلمُ وسيلةٌ، والإيمانُ غاية

مع كثرة ما ورد في فضل العلم ومكانته وضرورة إشاعته وبذل الغالي والنفيس في سبيله، يبقى السؤال: هل العلم غاية أم وسيلة؟ الجواب أن العلم في فكر أهل البيت عليهم السلام وسيلة لا غاية، فضلًا عن أن يكون قيمة مطلقة. والمركز في هذا الفكر هو الإيمان والتسليم والانقياد والحب والإرادة.

فالأنشطة النفسية كالحب والإرادة والإيمان تحتاج دائمًا إلى متعلَّق؛ فلا يُعقل أن يؤمن الإنسان بلا شيء، أو يُسلِّم لغير شيء، أو يحب بلا موضوع للحب. ومتعلَّق هذه الأنشطة جميعًا هو الواقع. لكن الإنسان لا يتّصل بهذا الواقع اتصالًا مباشرًا دائمًا، بل من خلال عدسة، هي عدسة العلم؛ فيأخذ صورًا عن هذا الواقع، ومن خلالها يؤمن بما علمه أو ينكره، يحبّه أو يبغضه.

فالعلم أخذ موقعه لأنه البوّابة شبه الحصرية لتأمين متعلَّقات هذا المركز الذي عليه الثواب والعقاب، والسعادة والشقاء. وليست كمية المعلومات هي التي ترسم مستقبل الإنسان، بل إيمانه وتسليمه وإرادته وحبّه وبغضه، الحبّ في الله والبغض في الله، هو الذي ينظّم مستقبله. فالمطلوب حقيقة هو الإيمان بالواقع: بالله الواحد الأحد، بالرسول الخاتم، بولاية علي بن أبي طالب، بالقائم المهدي عجّل الله تعالى فرجه. ومن هنا تأتي أهمية العلم والتعليم؛ لأنه وإن كان وسيلة، فلا غنى عنه.

علمٌ بلا عمل لا قيمة له

بعد أن اتضحت الصورة، نأتي إلى النقطة التالية: علمٌ بلا عملٍ لا قيمة له، فهو ليس غاية، وأقل ما فيه أنه قد يولّد إيمانًا وحبًّا وإرادة منظّمة، لكنه قد لا يفعل. جاء في الحديث الشريف:

«العلمُ يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه»

ويقول القرآن الكريم:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]

فهؤلاء عندهم علم، لكنه علمٌ عليه العقاب؛ وعقاب العالم أعظم سبعين مرة من عقاب الجاهل. فلا العلم غاية، ولا العلم بدون عمل له قيمة، ولا العلم وحده يجرّ صاحبه إلى العمل ويفرضه عليه؛ فقد يكون الإنسان أعلم مني ومنك، لكنه في مستوى العمل يجحد بما يعلم ويستيقن، وذلك بسبب الكبر والحقد والحسد والغطرسة والغرور، التي تجعله يتمرّد على المعلوم، كما قال تعالى:

﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧]

فالعلم إذن من أجل الإيمان والعمل، وليس غاية في ذاته. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الشيطان أنه عبد الله ستة آلاف سنة، لا يُعلم أمن سنّي الدنيا أم من سنّي الآخرة، ثم كان ما كان من أمره. فتبيّن أن العلم وحده ليس ضمانًا لحسن العاقبة.

لا العلمُ وحده ولا العملُ وحده ضمان

كما أن العلم بلا عمل لا قيمة له، فإن العمل بلا علم أيضًا لا يُغني، فقد ورد: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق»، فلا يزيده سرعة السير إلا بعدًا عن الهدف، لأنه يسير في اتجاه منحرف. وورد: «ركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لأن العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه، ويأتي الجاهل فتنسفه نسفًا». وورد أيضًا: «قليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم».

ومع ذلك، فقد يكون العلم ذاته سببًا للفتنة، وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

«قصم ظهري اثنان: عالمٌ متهتِّك، وجاهلٌ متنسِّك»

فهذا يصدّ الناس عن العلم بتهتّكه، وذاك يصدّ الناس عن النسك بجهله.

الإخلاصُ والخاتمةُ: الضمانُ الحقيقي

إذن، العلم ضرورة، والعمل ضرورة، لكن أين الضمان؟ جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«الدنيا كلها جهلٌ إلا مواضع العلم، والعلم كله حجةٌ إلا ما عُمل به، والعمل كله رياءٌ إلا ما كان مخلصًا، والإخلاص على خطرٍ حتى ينظر العبد بما يُختم له»

فالضمان إذن: علمٌ، ثم عملٌ، ثم إخلاصٌ، والإخلاص نفسه على خطر حتى الخاتمة. فالسؤال الحقيقي إذن ليس عن مدى ضرورة العلم أو العمل، وإنما عن حسن العاقبة، وأقصر طريق إليها أن يستشعر الإنسان فقره وحاجته وعبوديته لله سبحانه وتعالى، كما في الدعاء: «إلهي لا تكلني إلى نفسي، فإنك إن وكلتني إليها تُبعدني من الخير وتُقرّبني من الشر».

وقد يزلّ الإنسان بخطأ بسيط فتنقلب عاقبته، كما جرى مع الحرّ بن يزيد الرياحي حين انضمّ إلى معسكر الحسين عليه السلام في كربلاء، فقال فيه الإمام: «والله ما رأيت أصحابًا خيرًا من أصحابي»، وقد كانت خاتمته خير خاتمة. والعكس صحيح أيضًا؛ فقد يسوء بالإنسان حاله فتسوء عاقبته.

وكلما استشعر الإنسان فقره بين يدي الله، كانت هذه طهارة داخلية وقدسية باطنية، توفّر له ضمانًا للخلاص، وقد أشرنا سابقًا إلى دعاء الافتتاح: «وأيقنتُ أنك أشدُّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة».

خاتمة: الحب الداخلي والانقطاع إلى الله

جزئيات الحياة وهمومها ومشاغلها وتحدياتها قد تُقلّل من تمركزنا حول الله. أذكر أحد المرحومين، كان في ليالي سحر شهر رمضان يُطفئ الضوء، ويتعلّق بدعاء أبي حمزة الثمالي، ويسجد ويغرق في البكاء، منقطعًا إلى الله. هذا الروح ذاته هو ما كان وراء "دَوِيّ" أصحاب سيد الشهداء عليه السلام ليلة العاشر من المحرم، كدَوِيّ النحل، تهجدًا وعبادة وتسبيحًا وذكرًا وبكاء، لأنهم وصلوا إلى حقيقة الحب الداخلي والارتباط بالله، والفناء والذوبان فيه.

ومن هنا جاء الحديث عن شرط استجابة الدعاء: «ادعُ بلسانٍ لم تعصِ الله به أبدًا»؛ قيل: وما هو يا ابن رسول الله؟ قال: «دعاء المؤمن للمؤمن في ظهر الغيب». وقد كان بعض العلماء يتمنى ألا يكون قد دعا لنفسه قط، بل كانت كل دعواته للمؤمنين، فكان محلًّا للخير الكثير.

فمجالس الوعظ مطلوبة، ومجالس الدعاء مطلوبة، ومجالس الندبة - إن أمكن - مطلوبة كذلك، فهي تُذكّرنا بحال التوجه إلى الله كما في "يا صديقة المستصرخين"، ولو مرّة أو مرتين أو ثلاثًا في حياتنا، فلها وقعها العميق.

نسأل الله أن يتقبّل أعمالكم، وأن يرحم أمواتكم وشهداءكم، وأن يحفظ أحبابكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.