التعددية الاجتهادية وأدب التعامل مع المخالف
التّعدُّد الشرعي وأدب التّعامل مع المخالف: إجابات على أسئلة المؤمنين
الاختلاف بين الشيعة: كيف نفهمه؟
نرى في زمننا هذا، وخصوصًا في زمن غيبة صاحب الزمان، أن هناك اختلافًا بين الشيعة أنفسهم؛ فهذا يقول: الحقّ عندي، وذاك يقول: الحقّ عندي. فكيف يعرف المؤمن العامّي الحقّ عند مَن؟ وكيف يتعامل كإنسانٍ رساليّ؟
الحقيقة أنّ معظم الخلافات التي نراها بين الناس واضحٌ فيها أنها مخالفة لضرورات الدين، والناس يخرجون عن هذه الضرورات المفروض أنها معروفة عند المؤمنين، وهذا ما لا يُسأل عنه أصلًا. أمّا معظم الأمور الأخرى فيشوبها شيء من الغموض؛ بعضها مسائل معرفية تُرَدّ إلى أهل البيت عليهم السلام، إذ لماذا يجب أن يكون عندي رأي في كل شيء؟ إن أكثر العلماء علمًا هو أكثرهم التزامًا بقول "لا أدري" فيما لا يُدرَى بشكل طبيعي، فيقول: أنا لا أدري، هناك خلاف في هذه المسألة، هناك بحث في أصالة الوجود وأصالة الماهية، فليس بالضرورة أن يكون عندي موقف في كل شيء. ما المشكلة في أن يقول الإنسان: أنا لا أدري؟
المرجعية والحجّية الشرعية
يبقى هنا جانبٌ عمليّ، وهو أين يكون المرجع فيه حجّة شرعية؟ إن رجعت للمرجع - وهو وإن لم يكن معصومًا، لكنه حجّة - فماذا يعني ذلك في مقام العمل؟ يعني أنك إذا التزمت به تكون معذورًا، حتى لو صادف أن كان هناك احتمال واحد أو اثنان بالمئة لوجود اشتباه في هذه المسألة؛ لأن المراجع حين يختلفون فالحقّ واحد، وحين يقع الاختلاف نعلم أن أحدهم قد يكون مشتبهًا؛ إذ ليس من المعقول أن يكون الجميع على حقّ في آنٍ واحد.
في مثل هذه الحالة، من أنت حتى تتبنّى رأيًا وتتعامل مع الرؤية الأخرى على أنها باطلة، وهي محتملة أن تكون هي الحقّ؟ لكن الحقّ الذي يتنجّز عليك أنت هو ما تعامل على أساسه. وهذا ما يجعلنا نحترم الاجتهادات ما دامت ناشئة من موازين شرعية، فهذا يخلينا - بعد الاختلاف في التقليد - لا نتحول إلى مذاهب متفرقة. والمذاهب الموجودة أصلًا نشأت من اختلافٍ كهذا، فكيف استطعنا نحن أن نحصّن أنفسنا، ونحفظ التعددية في الاجتهاد مع الالتزام بموازين الاجتهاد؟ هذه الموازين ندافع عنها حتى النَّفَس الأخير: لا بدّ أن نرجع إلى الفقيه العادل، وإذا تعدّد مصداق هذا العنوان بأكثر من شخص، لا بدّ أن نبحث عن الأعلم، وكيف نحدّد الأعلم؟ هذا أيضًا بعناية فائقة ودقّة عالية حتى تبرأ ذمّتنا.
ومن الممكن أن يكون في البيت الواحد الأب يقلّد مرجعًا وابنه يقلّد مرجعًا آخر، والزوج يقلّد مرجعًا والزوجة تقلّد مرجعًا آخر، دون أن يكون بينهم أي حزازة، إلا في مقام الالتزام العملي، كأن يصوم أحدهم في يوم يفطر فيه الآخر. هذه المرونة العالية في التعددية، مع الالتزام العالي بالانضباط بالأحكام الشرعية، لا تجدون لها نظيرًا لا في دينٍ ولا في مذهب. وهذا ما يجعل اختلاف الفقهاء وانفتاح باب الاجتهاد في الوسط العلمي إثراءً لا إشكاليةً وتصادمًا.
خطر استغلال الخلاف العلمي في أوساط العوام
في الوسط الحوزوي ننفتح ونحاور بعضنا البعض ونتناقش، لكن نأسى حين يأتي بعض الناس ببعض المسائل المبحوثة حوزويًّا فيجلبها للعوام، ويحاول أن يُخطّئ الآخرين ممن لا يعرفون هذه التفاصيل، ويصبغها بخطابٍ ولغة حادّة. هذا نحن ننزعج منه، لا لأنه يمسّنا نحن، بل لأننا نرى في ذلك إخلالًا بالنظم العام. فاختلاف الاجتهادات لا يبرّر - وحذارِ حذارِ من هذا - أن يحاول مجتهدٌ ما أن يفرض رأيه ويُلزم به الآخرين.
قبل أيام نُقل لي أن أحد الزوار كان ضيفًا في بيت أحد أقاربنا، وقد أُكرم بطعامٍ وشرابٍ وفراش، وفي الصباح وجدوا صورًا معينة قد لُصقت في البيت لشخصياتٍ يعتقد بها الضيف، دون علم أهل البيت أو موافقتهم! فسألوه عن هذا المنطق: كيف تلصق صورًا في بيت مضيفك دون علمه؟ هذا أسلوب سيّئ. قبل أن تُقال كلمة "المرجعية"، لا بدّ أن يتحدّث المرجع نفسه عن الموضوع. بعض الناس بنى عنده سباقًا مع نفسه، وهذا السباق مضرّ بالمصالح العامة التي نحن جميعًا مسؤولون عنها. فالخلافيات لا يصحّ أن يحاول فيها كل واحد أن يفرض وجهة نظره على الآخرين.
التعامل مع الأقارب في بداية طلب العلم
من الأسئلة المهمّة: كيف يوازن الشابّ الذي بدأ يتفقّه ويتزوّد من العلم بين ما تعلّمه وبين تعامله مع الأقارب والعائلة والزملاء؟ فأحيانًا يشعر هؤلاء أنه أصبح قاسيًا عليهم، لا يتفاعل معهم كما كان سابقًا، ولا يضحك معهم كما كان يفعل.
الجواب: إن المؤمن يأخذ القيم، وأكثر هذه القيم إيجابيةً في التعامل مع الآخرين. حتى مع المخالف في المذهب، لدينا تأكيد كبير على حسن التعامل معه، فربّنا يقول:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]
وبعض النصوص بيّنت مواقف عملية في تطبيق هذه الآية، ترجع إلى الصدقة وأمثالها، بمعنى أن "قولوا للناس حسنًا" ليس فقط في مقام القول، بل في مقام المعاملة والتعامل. فمكارم الأخلاق مما يُفترض أن يسبق إليها المؤمن، وكل من يزداد تديّنًا يجب أن يزداد خلقه حسنًا. ولهذا كثير من المتديّنين الحقيقيين تجدهم في بيوتهم أبرّ الناس بوالديهم، وأكثر الناس صلةً للرحم، وأكثر الناس اهتمامًا بالضعيف والفقير، وأكثر الناس احترامًا للجيران.
من تعلّم من الإيمان أن يعزل نفسه عن الآخرين أو يتكبّر عليهم، فهو مبتلًى؛ ربما ابتُلي في معاملته في الدنيا، وربما ابتُلي بأنّ إيمانه أورثه كِبرًا فصار يرى نفسه أفضل من الآخرين. وعندنا في هذا الشأن رواية مهمّة عن الإمام الصادق عليه السلام مع حفص بن غياث (وهو من فقهاء العامة والقضاة)، حين سأله: أليس يرى نفسه أفضل من غيره بما أنعم الله عليه من الطاعة، وبمن ابتُلي بمعصية؟ فقال: لا يمكنه ذلك؛ لأنه لا يعلم بما ستؤول إليه عاقبته وعاقبة غيره. فمن يتفقّه في الدين ويتعلّمه، يجب أن يزداد تواضعًا لا أن يفرض شخصيته على الآخرين، ولا أن يذهب ليطبّق مفاهيم "التنمية البشرية" المبنية على عبادة الذات ومحوريتها، فهذه غير مقبولة عندنا، والدين هو أول من يقف سدًّا أمام هذا التوجّه. أما إن كانت هناك "تنمية بشرية" مبنية على فلسفتنا ورؤيتنا للكون والحياة ومبادئنا الإيمانية الأساسية، فتلك مقبولة.
ومن أهم مفاتيح ذلك: كتاب أبواب العشرة في وسائل الشيعة، وهو مهمّ جدًّا أن يُطالَع بين الإخوة، خصوصًا في السفرات الطويلة، فأكثر رواياته واضحة لا تعقيد فيها.
آداب الزيارة وما يُتجنَّب فيها
الأصل هنا هو التقوى؛ أي تجنّب كل المعاصي، وهذا هو الأساس. وبعد ذلك قد تكون بعض الأمور مكروهة، فلنركّز على الأولويات كما ذُكرت في آداب الزيارة في مفاتيح الجنان.
من الأمثلة: عند الحسين عليه السلام يُستحبّ إجادة الطعام وبذله للزوّار، وقد وردت روايات تنهى عن التبذير في غير هذا الموضع، لكن من يبذل في سبيل الله ويكرم زوّار الحسين ببذله، فهذا يُشكر. ومن الأمور المهمة أيضًا: الاجتناب عمّا يوجب قسوة القلب، لأن الإنسان في طريقه إلى الزيارة يجب أن يكون في حالة إقبال، فمن وصل واقترب أكثر ينبغي أن تزداد حالة الإقبال عنده.
فضل زيارة الأربعين: وقتها وظروفها الاستثنائية
فضل زيارة الأربعين مطلق من حيث الوقت، لكن قد يكون في ارتفاع النهار أدنى بحسب بعض الروايات. ومع ذلك، في ظرفنا الاستثنائي، فمن لم يستطع الذهاب - ولو لكي لا يزعج الزائرين - فهذا أيضًا أمر مقرّب. وقد سمعت من بعض كبار أرحامنا أن المرحوم السيد محسن الحكيم رحمه الله كان يقول: إذا لم تذهبوا للزيارة المخصوصة بنيّة أن تخفّفوا الزحام عن الزائرين القادمين من أماكن بعيدة، فلكم أجركم في ذلك، وإن كان بعض الفقهاء يعتبر هذا من باب الوصايا غير المكتوبة رسميًا. فإذا لم يتيسّر للإنسان الذهاب في الوقت المستحب، يمكنه أن يقرأ الزيارة ولو متأخرًا قليلًا لتخفيف الازدحام، ثم يذهب ليزور مرة أخرى، ولا حرج في ذلك، بل هو أمر حسن إن شاء الله.
تحقّق عنوان "الزيارة" عند الازدحام
من المسائل المهمة: هل يتحقق عنوان "الزيارة" لمن لم يستطع الوصول إلى الضريح بسبب الازدحام الشديد؟ بحسب الفهم الفقهي - وهذا فهمٌ قاصر لا أنسبه لأحد بعينه - فإن تحقّق حالة الزيارة يمكن أن يحصل حتى وهو داخل الصحن الشريف إذا كان هناك ازدحام؛ فكلّ شيء بحسبه وبحسب مناسبات الحكم والموضوع.
كما لو كان يصلي جماعة، فالمفروض أنه يكون عند الإمام، لكن إذا امتدّت الجماعة (وهذا مثال للتقريب لا للحجّية)، فمن وصل إلى صحن الحسين عليه السلام يُعتبر أنه تحقّق له عنوان الزيارة، ويمكنه أن يدخل أكثر إذا لم يكن هناك ضيق، لكن ليس من الضروري أن يدخل داخل التصادم مع الناس والازدحام والاختناق، فيدفع ويُدفع، فهذا يُبعد المرء عن الخشوع والتوجّه الذي هو أصل الزيارة.
وكما أن ملايين الحجّاج يصلون إلى قرب مكان مقدّس ويكفيهم ذلك، ويرون من بعيد فينطبق عليهم مفهوم "الوصول"، فكذلك هنا. أما بخصوص مسّ الضريح، فقد أشار بعض الفضلاء في النجف إلى أن الضريح أصبح حاجزًا يمنع الانكباب عليه كما كان سابقًا، فمن اقترب منه قدر الإمكان يكون قد حقّق أمرًا قريبًا من العنوان الوارد في الرواية، وينطبق عليه قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور.
استحضار المكان في الزيارة
من المهمّ جدًّا أن يستحضر الزائر ما جرى في كل مكان يمرّ به: هنا وقف حبيب بن مظاهر، وهنا ودّع مسلم بن عوسجة، وهنا سقط زهير بن القين، وهنا جاء الحرّ، وهنا أُحرقت الخيام. فهذا الاستحضار يجعل الزائر يبكي عند الحسين عليه السلام كما وردت به النصوص الكثيرة التي تحثّ على أن يزوره باكيًا.
أحكام الازدحام واختلاط النساء والرجال
هذا السؤال شبيه بمسائل الحجّ والطواف؛ فإذا علم الإنسان أنه سيلامس امرأة أجنبية دون قصد بسبب الزحام، فإن كان غافلًا معذور، أما إذا كان ملتفتًا لذلك، فعليه أن يحتاط للأمر. ولذلك فمن المستحسن أن يُلفّ الإحرام - أو ما شابه - على اليدين للتقليل من ذلك، رغم أن بعض المواقف تحصل فجأة دون إمكانية تجنّبها بالكامل.
ولدينا في هذا الشأن توصية إضافية للنساء، بأن يلتزمن بدرجة أكبر من الحشمة والاحتياط، وأن يبتعدن عن الاختلاط قدر الإمكان، وهذا ما ينبغي تعميمه والتنبيه عليه في الحملات، فمن التزمت بالتقوى والحشمة ولم تصل إلى الزيارة الكاملة بسبب ذلك، فهي إن شاء الله زائرة وواصلة لثوابها.
موقف تاريخي: السيد محسن الحكيم ونكران الذات في الزيارة
ما زلت أتذكّر عن أستاذنا السيد الحكيم رحمه الله - وقد كنّا معه مدّة طويلة في سجون صدام - كيف كان مهتمًّا بالشأن الحسيني اهتمامًا خاصًّا، حتى إن بعضنا كان يرى دموعه على الأوراق التي كتب فيها ذكر الحسين عليه السلام. كان يقول لي أكثر من مرة: لا أريد أن يُزعَج أحد أو يُضايَق بسببي، ولا أن يُستخدم النفوذ لتسهيل وصولي إلى الزيارة. كان يقول: نركب السيارة، وحيثما وصلنا نزور ونرجع. وأحيانًا كان يصل إلى مكان بعيد جدًّا في منتصف شعبان، فيزور من مسافة تُقدَّر بألف عمود أو أكثر، ثم يرجع. وفي إحدى الليالي، وهي ليلة اضطراب شديد وكان كثير من الناس مشغولين بأمور أخرى، ذهب هو بنفسه ووصل - رغم عدم وجود ذلك الزحام المعتاد - إلى داخل الحرم الشريف.