موقفنا من علامات الظهور وانطباقها على الأحداث المعاصرة
الإمام المهدي عجل الله فرجه: هويته، غيبته، وعلامات ظهوره
من هو الإمام المهدي عجل الله فرجه؟
الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف هو محمد بن الحسن العسكري بن الإمام الهادي عليهم السلام، وهو الإمام الوحيد الذي وُلد خارج المدينة المنورة من بين الأئمة الاثني عشر، باستثناء الإمام علي عليه السلام الذي وُلد في الكعبة المشرفة. فقد وُلد الإمام المهدي في سامراء ليلة النصف من شعبان عام ٢٥٥ للهجرة، واستُشهد أبوه الإمام الحسن العسكري عليه السلام وعمره خمس سنوات، عام ٢٦٠ للهجرة.
ومنذ يوم دفن أبيه، غاب الإمام المهدي غيبتين: الغيبة الصغرى التي بدأت عام ٢٦٠ وانتهت عام ٣٢٩ للهجرة، ثم الغيبة الكبرى المستمرة إلى يومنا هذا.
بيت الإمام في سامراء
ما زال بيت الإمام المهدي في سامراء موجودًا إلى الآن، وهو ما يُعرف اليوم بـ"سرداب الغيبة"، وهو في الأصل لم يكن سردابًا في زمن الإمام، بل كان بيتًا وغرفةً يعيش فيها الإمام عجل الله فرجه، وهي مصلاه ومحرابه ومحل دعائه. ولذلك يُقال إنه لم يبقَ من بيوت الأئمة عليهم السلام إلا بيت الإمام المهدي، إذ إن هذا المكان امتلكه الإمام ملكًا شرعيًا، وتوجد وثيقة رسمية في وزارة الأوقاف العراقية تثبت أن هذا المكان ملك محمد بن الحسن العسكري.
ودُفن في هذا الضريح المبارك، إلى جانب الإمام المهدي، كلٌّ من: الإمام الهادي، والإمام الحسن العسكري، ونرجس أم الإمام المهدي، وحكيمة بنت الإمام الجواد، وجعفر بن الإمام الهادي.
أدلة إثبات ولادة الإمام المهدي
يُعدّ ظهور الإمام المهدي أمرًا متواترًا عند الشيعة والسنة، وقد ذكرت مجلة الانتظار (العدد ١١، صفحة ٢٦) نقلاً عن المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في مكة أن ظهور الإمام المهدي آخر الزمان أمر متواتر لا كلام فيه، وأنه آخر الخلفاء الراشدين الاثني عشر الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وآله في الصحاح.
منهج إثبات القضايا التاريخية
تُثبت القضايا التاريخية بـدليل حساب الاحتمالات، بحيث تتجمع القرائن حول القضية المعينة حتى يحصل الاطمئنان بها. فكما نثبت وجود الإمام الشافعي أو المتنبي عبر تراكم القرائن (نص علماء الأنساب، كتبه، تلامذته، استناد الفقهاء إليه، ذكر المعاصرين له)، كذلك نطبق المنهج ذاته على الإمام المهدي عجل الله فرجه.
القرينة الأولى: ما ورد في القرآن والسنة من أن لكل جيل إمامًا لازمًا، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]
ويسند هذا المعنى حديث الثقلين الذي رواه أحمد بن حنبل:
«إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»
وورد عن الإمام الباقر عليه السلام: «لو أن الإمام رُفع من الأرض لماجت الأرض بأهلها كما يموج البحر بأهله».
القرينة الثانية: أحاديث الاثني عشر، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وآله: «لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش». وقد قال ابن كثير في تفسيره: "والظاهر أن منهم المهدي المبشَّر به في الأحاديث".
القرينة الثالثة: بشائر العهدين (التوراة والإنجيل)، كما وردت في كتب مثل "البراهين الساباطية" للقاضي الساباطي، و"المسيح الدجال" للدكتور سعيد أيوب، و"أنيس الإسلام" للشيخ محمد فخر الإسلام، حيث ورد في سفر أشعياء وسفر الرؤيا لفظ "بارقليط" الذي تُرجم إلى "محمد".
القرينة الرابعة: السفارة المتصلة بأربعة سفراء عاصروا الغيبة الصغرى، وهم:
- عثمان بن سعيد العمري
- محمد بن عثمان بن سعيد العمري
- الحسين بن روح النوبختي
- علي بن محمد السمري
فقد استمرت السفارة تسعة وستين عامًا (من ٢٦٠ إلى ٣٢٩ للهجرة)، وكانت الرسائل الصادرة عن هؤلاء السفراء الأربعة المختلفين تصدر بخط واحد ومضامين متقاربة، ولم ينكر أحد من علماء تلك الفترة - من الشيعة والسنة - صحة هذه الرسائل.
القرينة الخامسة: النصوص التي تثبت ولادته صراحة، ومنها ما رواه عبد الله بن جندب عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام أنه كان يقول في سجدة الشكر داعيًا بأسماء الأئمة، ومنهم: "والحجة بن الحسن بن علي، أئمتي بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ". كما نصّ على ولادته وغيبته علماء من أهل السنة، منهم: ابن الأثير، وابن خلكان، والذهبي، وابن الوردي، وابن حجر الهيثمي في "الصواعق المحرقة".
وبتراكم هذه القرائن كلها، نصل إلى الاطمئنان التام بوجود رجل اسمه محمد بن الحسن العسكري، وُلد في ذلك العام، ولم يقم أي دليل على وفاته أو خروجه من هذا العالم.
الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى
مفهوم الغيبتين
استمرت الغيبة الصغرى تسعة وستين عامًا، وكان الإمام خلالها يتصل بالناس عبر أربعة سفراء عاشوا في بغداد ودُفنوا فيها. وكانت هذه الفترة تمهيدًا للغيبة الكبرى، حتى لا تأتي مفاجئة فيرتد الناس عن الدين والقول بالإمام.
ولما اقتربت وفاة السفير الأخير علي بن محمد السمري، كتب إليه الإمام: «اعهد عهدك وأوصِ وصيتك، وانت راحل عن هذه الدنيا في أيام قلائل»، ثم قال: «ولا خروج إلا بإذن الله، وذلك بعد أن تمتلئ الأرض ظلمًا وجورًا، وسيأتي من شيعتنا من يدَّعون المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفترٍ». وبعد أيام قلائل من هذه الرسالة، توفي علي بن محمد السمري، وبدأت الغيبة الكبرى التي لم يلتقِ الإمام فيها بأحد إلا لظرف خاص أو رسالة مهمة.
دور السفراء الأربعة
كان دور السفراء الأربعة تلقي الأسئلة من الناس وإيصالها إلى الإمام، ثم إيصال الأجوبة إليهم. ولم يكن عثمان بن سعيد وابنه محمد من العلماء، وكذلك النوبختي والسمري كانوا تجارًا، لكنهم كانوا ثقات مؤمنين، اختارهم الإمام لهذه المهمة. ولم يكن لهم أي دور سياسي أو اجتماعي، بل كان دورهم منحصرًا بتلقي الرسائل وإعطاء الأجوبة عنها.
منشأ الغيبة وحكمتها
منشأ الغيبة
منشأ غيبة الإمام عليه السلام هو سيطرة الظالمين ومحاولتهم اجتثاث الإمامة وذرية النبي صلى الله عليه وآله من جذورها، حيث هجموا على بيت الإمام الهادي والعسكري بحثًا عنه للقضاء عليه وعمره خمس سنوات.
حكمة الغيبة
الحكمة من الغيبة هي ابتلاء المؤمنين واختبارهم، تمامًا كما غاب موسى عليه السلام عن قومه سنينًا اختبارًا لهم، وكما غاب عيسى بن مريم عليه السلام عن أمته قرابة ألفي سنة، إذ رفعه الله إليه بجسده المادي:
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]
فنفس الحكمة تنطبق على غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه عن أمة جده صلى الله عليه وآله.
الفائدة المرجوة من وجود الإمام حال غيبته
ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله: هل ينتفع الشيعة بالقائم حال غيبته؟ فقال:
«إي والذي بعثني بالحق نبيًا، إنهم لينتفعون به ويستضيئون بنور ولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس إذا جلّاها السحاب»
وورد عن الإمام الصادق عليه السلام المعنى ذاته، كما ورد عن الإمام المهدي نفسه: «وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء».
أوجه الانتفاع
الفائدة الأولى - العلاقة الكونية: هناك ارتباط كوني بين وجود الإمام واستقرار الكون، كما في حديث الإمام الباقر: «لو أن الأرض خليت من الإمام لماجت بأهلها»، وفي حديث آخر: «لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها». وفي زيارة الجامعة الواردة عن الإمام الهادي عليه السلام: «بكم فتح الله، وبكم يختم، وبكم ينزّل الغيث، وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه».
الفائدة الثانية - حفظ الكيان الشيعي: رغم ما تعرض له التشيع من مجازر وإبادات عبر التاريخ - من المغول في بغداد، إلى العثمانيين في جبل عامل، إلى ما مرّ به العراق من مآسٍ - بقي هذا المذهب شامخًا صامدًا، ببركة وجود صاحب العصر والزمان.
الفائدة الثالثة - حفظ الشريعة: قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
فحفظ ثوابت الدين، رغم مخططات أعدائه، إنما هو ببركة وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه.
هل يستفيد الإمام من غيبته؟
نعم، فالغيبة ابتلاء للإمام يرفع به الله مقامه، كما ابتُلي الأنبياء من قبل، قال تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]
فالإمام المهدي صابر على مجازر الظالمين يراها بعينيه ولا يستطيع ردعها، ويشهد ذنوب شيعته وهم يجاهرون بالمعاصي، وكل ذلك ابتلاء يرفع مقامه الروحي عند الله كلما تقدم الزمن.
علامات الظهور
علامات آخر الزمان
هناك علامتان أساسيتان لآخر الزمان:
الأولى: امتلاء الأرض ظلمًا، لحديث النبي صلى الله عليه وآله: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما مُلئت ظلمًا وجورًا». ويشمل هذا الظلم حتى جور الإنسان على الطبيعة والبيئة، كظاهرة الاحتباس الحراري.
الثانية: عودة الإسلام غريبًا، بحيث يتبرأ الناس من الانتساب إليه.
علامات ظهور الإمام غير الحتمية
هناك أربع علامات غير مؤكدة الوقوع:
- الموت الأحمر والأبيض: موت ثلثي الناس، الأحمر بالسيف والحرب، والأبيض بالأوبئة والأمراض.
- خروج الدجال: رجل أعور يقتله - بحسب الروايات الشيعية - مهدي آل محمد، وبحسب روايات أهل السنة يقتله عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء بدمشق.
- خروج يأجوج ومأجوج: كما ورد في القرآن الكريم:
﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]
- الخسوف والكسوف في شهر واحد على خلاف العادة: الخسوف في أول الشهر، والكسوف في وسطه، على خلاف العادة الفلكية، إعدادًا للناس لاستقبال المهدي.
علامات ظهور الإمام الحتمية
هناك خمس علامات مؤكدة الوقوع:
-
الصيحة أو النداء: في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان (ليلة القدر)، حيث يسمع الناس صوت جبرائيل ينادي بالحق في آل محمد، وبين هذا النداء وخروج الإمام ثلاثة أشهر وسبعة عشر يومًا.
-
خروج السفياني: رجل من بني أمية يسيطر على الشام ثم يغزو العراق ويصل إلى الكوفة، وهمّه الأساسي إبادة شيعة آل محمد. ويخوض السفياني بحسب الروايات ثلاثة حروب: الأولى مع اليماني (وتكون الغلبة للسفياني)، والثانية مع الخراساني الآتي من إيران (وتكون الغلبة للخراساني)، والثالثة مع الإمام المنتظر عجل الله فرجه (وينتصر فيها الإمام).
-
خروج اليماني: وقد ورد في الروايات الشريفة: «أهدى الرايات راية اليماني، راية هدى، من تبعه فهو مهتدٍ»، لأنه يمهّد للمهدي ويبشّر الناس به.
-
الخسف بالبيداء: عندما يخرج الإمام من المدينة متجهًا إلى مكة، يبعث السفياني سرية لقتله، فإذا وصلت إلى منطقة البيداء (التي تبعد عن مسجد الشجرة نحو مئة كيلومتر) تبتلعهم الأرض كما ابتلعت قارون وكنوزه.
-
قتل النفس الزكية: وهو غلام من بني هاشم يُقتل بين الركن والمقام، وبين قتله وخروج الإمام سبعة عشر يومًا فقط. وحين يُقتل، تغضب السماء ولا يبقى عاذر ولا في الأرض ناصر، فيخرج الإمام عجل الله فرجه ويقتل قاتليه، وتبدأ المعركة الحاسمة بينه وبين السفياني.
موقفنا من علامات الظهور
أولًا: خطورة تطبيق العلامات على الأحداث المعاصرة
توجد ظاهرة خطيرة اليوم تتمثل في تطبيق علامات الظهور (السفياني، الخراساني، اليماني، الدجال) على أحداث معاصرة بعينها، وهذا رجم بالغيب لا دليل عليه. فلا يوجد مرجع من مراجع الشيعة يقول بانطباق هذه العلامات على الأحداث المعاصرة، لأن المراجع لا ينطقون إلا بمستند علمي موثوق.
وخطورة هذه الظاهرة تكمن في أمرين:
- أن الشيعة مروا بمجازر مماثلة أو أشد عبر التاريخ (زمن الأمويين والعباسيين والعثمانيين)، ولم يُطبّق أحد من العلماء هذه العلامات عليها.
- قد تتسبب هذه التطبيقات الخاطئة في ارتداد الناس عن الدين إذا مرت السنون ولم يتحقق ما بُشّروا به، فيتهمون العلماء بالكذب، بل قد تمتد التهمة إلى الروايات الشريفة نفسها.
ثانيًا: الابتلاء لا ينافي العدالة الإلهية
قد يتساءل البعض: هل يتناسب استمرار الظلم مع العدالة الإلهية؟ والجواب أن الأنبياء مروا بأعظم مما نمر به، ولم يعترضوا على ربهم، قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]
فسنة الابتلاء من سنن الله في خلقه، والحكمة منها التمحيص، قال تعالى:
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧]
وهذه الحكمة لا تنافي عدالته تبارك وتعالى، وسيأتي يوم إقامة العدل الأكبر.
ثالثًا: الانتظار الإيجابي هو وظيفتنا
وظيفتنا في زمن الغيبة ليست الفحص عن العلامات، بل الانتظار الإيجابي الإعدادي، ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج». وهذا الانتظار يتحقق بالقيام بالمسؤولية الاجتماعية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]
فهذا هو الإعداد الحقيقي لنصرة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.