النفس ومحوريتها في صناعة الحياة
النفسُ ومحوريَّتُها في صناعة الحياة
المدخل القرآني: تمنّي الموت واستقبال الشهادة
قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٦-٧]
وفي المقابل يقول تعالى واصفًا المؤمنين الصادقين:
﴿وَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]
وفي هذا السياق يقول الإمام علي عليه السلام: "والله إن ابن أبي طالب آنَسُ بالموت من الطفل بمحالب أمه". ويقول سيد الشهداء عليه السلام في كلمته الخالدة: "ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليَرغَبِ المؤمن في لقاء الله؛ فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا". ويقول عليه السلام أيضًا: "من لَحِقَ بنا استُشهد، ومن تخلَّف لم يُدرِك الفتح".
عناصر صناعة الحياة الأربعة
إنَّ صناعة الحياة تتكفّلها أربعة عناصر رئيسة:
- العلم
- السلوك
- عالم الطبيعة
- النفس
ولكلِّ واحدٍ من هذه العناصر مقوّماتُه، وهو يخضع لمنهجيةٍ معينة تقبل الإفراط والتفريط. فالعلم له منهجيته ومنطقته ومحدداته، وتجاوز هذه المحددات يُحوّله إلى "جربزة"، إذ إن عدم الالتزام بالمنهجية العلمية يجعل العلم يتحوّل إلى فوضى، وهذا ما تتصدى له اليوم مؤسسات ضخمة معنيّة بمنهجة العلم وإرساء قوانينه كي يكون نافعًا ومجديًا؛ فبدون هذه المنهجية يتحوّل العلم إلى ظاهرة غير نافعة في أقل الأحوال.
أما عالم الطبيعة فهو عالمٌ صامتٌ لا يفكّر، تحكمه قوانين طبيعية يدير بها نفسه بنفسه، لكنه لا يملك فرصةً لتطوير ذاته أو تقديم خدماته للبشرية من تلقاء نفسه؛ فالإنسان هو الذي يستفيد من ظواهر هذا العالم، يُجزّئها ويعيد تركيبها فيصنع منها شيئًا جديدًا.
أما السلوك، فهو الحركة التي يقوم بها الإنسان، وهو أيضًا "صامت" لا لون له ولا طعم ولا رائحة، بل يكتسب مواصفاته من الداخل الإنساني. ونحن نقسّم السلوك إلى واعٍ وغير واعٍ، وشعوري وغير شعوري، واختياري وغير اختياري، وهذا التصنيف كله مأخوذ أساسًا من داخل الإنسان؛ فالشعور والوعي والاختيار والحب كلها أمور مرتبطة بما بداخل الإنسان.
ثم يأتي العنصر الرابع، وهو النفس، التي لها محدداتها ومنهجيتها الخاصة المختلفة تمامًا عن منهجية العلم، وهنا تبدأ الإشكالية العظمى في حياة الإنسان.
إشكالية المرجعية النهائية: العلم أم النفس؟
السؤال الجوهري هو: هل المرجعية النهائية للعلم؟ هل هو الذي يصنع الحضارة والتطور ويتقدم به الإنسان؟ أم أن المرجعية النهائية إنما هي للنفس؟
لا خلاف في أن لكلٍّ من العلم والنفس دورًا في صناعة السلوك وفي الاستفادة من عالم الطبيعة وتطويره، لكن السؤال ليس عن الدور من حيث المبدأ، وإنما عن المرجعية النهائية: هل الكلمة الأخيرة للعلم والقانون العلمي والمنهج العلمي، أم أن الكلمة الأخيرة إنما هي للنفس؟
هذه إشكالية حقيقية، إذ يميل كثيرون إلى تركيز كل الثقل على العلم وما يفرزه من ثقافة، وكأنه كل شيء، مُهمِلين النفس ودورها. ويجب أن نعرف أن النفس تقوم بمهمتين أساسيتين:
المهمة الأولى: النفس هي الفاعلة
ليس العلم هو الفاعل الذي بيده المبادرة، إنما النفس هي التي تفعل، وهي التي تبادر، وهي التي تخطو، وليس العلم صاحب الخطوة. العلم شرطٌ في حركة النفس، يترك أثرًا إيجابيًا حتمًا، ولسنا هنا في صدد التقليل من أهمية العلم، فتبقى له أهميته الكبرى، ولكنه لا يمثل كل شيء؛ إنما يمثل شرطًا في مبادرة النفس وإقدامها وحركتها.
المهمة الثانية: النفس هي القابل والمتأثر
النفس هي التي تلتذ وهي التي تكره، هي التي تريد وهي التي ترفض، هي التي تتألم وهي التي تفرح. فالعلم لا يتألم، أما الحزن والفرح والمتعة واللذة والكراهة والحب والإرادة والتصميم والقرار، فهذه كلها ظواهر نفسية تتمتع بها النفس، وهي التي تؤسس لمبادرتها وتتأثر بما تقوم به.
فمثلًا، حين يشرب الإنسان الماء، فهذه مبادرة يقوم بها، وحين يشرب فهو يلتذّ؛ والنفسُ هي التي تلتذّ، وهو يرتوي، والنفسُ هي التي تشعر بالارتواء. النفس هي التي تبادر وهي التي تتأثر، هي التي تفعل وهي التي تنفعل، وهي صاحبة الخطوة وصاحبة الانعكاسات المترتبة عليها، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
أثر النفس في استقبال الحقائق والانفعال بها
حين نبكي، نلاحظ أن الحالة المشاعرية تتحرك بحيث يستشعر الإنسان حاجته إلى البكاء، وليس العلم وحده من يجعلنا نبكي؛ فكثيرٌ من الأمور نعلم بها منذ الأمس ولم نكن نبكي عليها، ولكن إذا وُضعت النفس في جوٍّ معين، وهُيّئت ببيئة معينة، نجدها تتأثر وتُبدي انفعالاتها ورقتها، وتؤثر على الجسد والعين فتستدرّ الدمعة.
وقضية سيد الشهداء عليه السلام قبل شهر محرم نعرف بها كقضية علمية وواقعة تاريخية، لكنها لا تترك أثرها ما لم تتفاعل معها النفس، حتى يحصل هذا اللون من التأثر. لهذا قال النبي صلى الله عليه وآله:
"إن لقتل ولدي الحسين حرارةً لا تبرد أبدًا"
فالحرارة قضية مرتبطة بالنفس، وهذا يعيدنا إلى السؤال: هل العلم يفرض نفسه على النفس، أم أن النفس هي التي تفرض نفسها على العلم؟
النفس قد تُعيق المعلومة
حتمًا لا يمكن أن نؤسس لحركة النفس مع الجهل، وإلا اتجهنا إلى التخلف والتردي والفوضى، ولهذا أَوْلَتِ الأمم عنايتها للعلم والتعليم حتى القضاء على الأمية، وهذا لا نقاش فيه. لكن هل بمجرد أن نتحول إلى مثقفين وعلماء ومفكرين ينتهي كل شيء؟ أم أن النفس تلعب دورًا قد يُعيق المعلومة؟
فالإنسان أحيانًا يعرف الحقيقة لكنه يكابر عليها، والمكابرة أمر نفسي، ظاهرة نفسية. قال الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام:
﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥-٦]
وقوله:
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧]
فدعوة نوح عليه السلام دعوة حقّة لا نقاش في حقانيتها، لكن الاستكبار شكّل إعاقة، وهذه الإعاقة غير منهجية وغير مرتبطة بالجانب العلمي؛ فالحجة كانت متكاملة والدليل والبرهان كاملان، وإنما الإعاقة إعاقة نفسية: حالة العناد، حالة المكابرة، حالة الرفض التي تجعل الإنسان يتمرد على أوضح الواضحات وأبده البديهيات.
أما حين تكون النفس سليمة وسويّة، فإنها تستقبل الحق وتتأثر به، وتعيد إنتاجه فتحوّله إلى سلوك، فيأتي السلوك متوازيًا معها، ترجمةً للمعلومة الصحيحة.
المرجعية النهائية للنفس
من هنا أرى أن المرجعية النهائية للنفس، وبين قوسين "الأخلاق"، أي نضع العلم إلى جانب الأخلاق. فالنفس بقدر ما تستقر وتوضع في بيئة مستقرة هادئة صالحة ومتوازنة، بقدر ما تتفاعل مع الحق والحقيقة، ويكون عندها حالة من التواضع تستقبل بها المعلومة وتعيد إنتاجها وتترجمها إلى سلوك.
وبقدر ما تضطرب النفس وتُبتلى بالأمراض والمشاكل، بقدر ما يكون العلم هو الضحية أولًا، والسلوك ثانيًا، والأمة ثالثًا، وعالم الطبيعة رابعًا. هذا قانون: بقدر التوجه الذي نوجّهه للعلم ومؤسساته - من جامعات ومدارس وإصدارات ونشريات ومؤتمرات وندوات - نحتاج على الأقل بقدرٍ موازٍ إلى أنشطة تهذّب نفوسنا وتضعها في مكانها الصحيح.
فالإنسان إذا كانت نفسه طيبة هادئة مستقرة، يتعامل بانسيابية عالية مع البداهات والفطريات والعقلائيات العامة، أما إذا كانت النفس مضطربة، فإنها تشكّل إعاقة أمام أوضح الواضحات، وتصل إلى حد أن تُسخّر الجهاز الإدراكي لينظر إلى الباطل. فالعلم تحت رحمة النفس، والسلوك تحت رحمة النفس، وعالم الطبيعة تحت رحمة النفس، وتحصيل حاصل: الأمة تحت رحمة النفس. هذا واقع يجب أن نفهمه.
توجيه النصوص الدينية نحو النفس
من يراجع النص الديني يجد أن هناك توجهًا وخطابًا وتعاليم توجهت إلى النفس، تمامًا كما توجهت تعاليم أخرى إلى العلم والتأكيد على التدبر والتعقل والتفكر. ومن أوضح الأمثلة ما ورد في السيرة النبوية عن رجوع النبي صلى الله عليه وآله من الجهاد، حين قال:
"انتهى الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر"
فقيل له: وما هو يا رسول الله؟ فالجهاد الأصغر يعني القتال والمعركة والجبهة والمعوقين والشهداء والأرامل والأيتام، فماذا يكون أعظم من ذلك؟ قال عليه السلام: "جهاد النفس، هذا هو الجهاد الأكبر". ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: "إنما هي نفسي أروضها بالتقوى".
ولهذا قدّم القرآن الكريم توصيفات متعددة للنفس:
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]
ثم قدّم توصيفًا آخر:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨]
فتارة النفس لوّامة، وتارة أمّارة، وتارة مطمئنة. ومن صفات المؤمنين التي وضعتها النصوص أنه "وقور عند الهزاهز"، وفي الزيارة: "السلام عليك يا صاحب السكينة"، فالسكينة ظاهرة من ظواهر النفس، وهي صفةٌ وُصف بها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله. وقد أكدت النصوص أيضًا على التواضع والحلم والوقار.
أثر السكينة والوقار في اتخاذ القرار
معنى كون المؤمن "وقورًا عند الهزاهز" أنه يتجنب - ويجنّب من يتبعه - المغامرات غير المحسوبة والمواقف المرتجلة؛ لأن الإنسان إذا كان مهزوزًا وينصرف بمنطق مضطرب، قد يأتي بنتائج غير محمودة، وتأتي المواقف مربكة، وتأتي بفواتير أضخم مما لو بقي هادئًا، لأن القرار حينها غير محسوب. أما النفس المطمئنة، بسكينتها ووقارها وتواضعها، فإنها تعطي الإنسان القدرة على اتخاذ الموقف الصحيح.
فالمرجعية النهائية - وأؤكد أننا لسنا في صدد التقليل من قيمة عالم الطبيعة الذي يتحرك به الإنسان لتطوير حياته، ولا من قيمة السلوك، ولا من قيمة العلم فـ"قيمة كل امرئ ما يحسنه" - إنما نحن في صدد التأكيد على محورية النفس، فهي مركز الاستقطاب الذي بإمكانه أن يأتي إلى المعلومة فيعيد إنتاجها، وبإمكانه أيضًا أن يأتيها فيُتلفها ويمسخها ويمزّقها لأنها لم تُعجبه؛ وهذه هي إشكالية النفس.
العبادة بين الأصل والاستثناء في الواقع البشري
ننتقل إلى نقطة ثانية: حين نأتي إلى النصوص بعامة، نلاحظ أنها تؤكد أن الهدف من خلق الإنسان هو العبادة، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]
وقد ورد أن "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". لكن الواقع البشري حوّل هذا الأصل إلى استثناء، وآخر ما يُفكَّر فيه هو العبادة، إذ يُعطيها الإنسان دقائق قليلة بين مشاغل يومه، وحتى في أثناء أداء هذا العمل قد يُفكِّر في عشرين مكانٍ آخر. فتحولت العبادة في حياة الإنسان العملية إلى ما يشبه الاستثناء، وإلى طقس يشغل جزءًا يسيرًا من وقتنا، مع أنها هي الأساس.
فكيف نُكيّف النظرية الدينية مع هذا الواقع البشري الذي لا يهتم بالاستراتيجي بل بالتفاصيل والتوافه؟ من هنا كان دور الخطباء في إعادة الإنسان إلى الجو الاستراتيجي الذي وُجد من أجله. والعبادة العملية مفهوم واسع، يشمل التواصل والتواد والتراحم والتعاون، وهذه كلها من مردودات التوحيد العملي. فجاء دور الخطباء في إيجاد حوافز لدى الإنسان تنقله بطريقة متدرجة نحو الأساسيات، فأُوجدت الموسميات كطقس الحج، وأُوجدت ظاهرة عاشوراء، حتى تعود النفس فتلتفت إلى ذاتها من جديد.
عاشوراء وصناعة النفس
مهما قرأنا في فصول عاشوراء وتفاصيلها، نجد أن هناك رائحة عبقة لظاهرة النفس: ظاهرة الصلابة، ظاهرة الفتوة، ظاهرة الإقدام، ظاهرة الشجاعة. وقد تناول الشعراء هذا المعنى في وصف العباس عليه السلام، إذ قيل فيه:
وله إلى الإقدام سرعة هارب
فكأنما هو بالتقدم يسلمُ
فما أَجَلَّتِ الحربُ عن مِثله
صريعًا يُجَبِّنُ شجعانها
وهذا يلفت انتباهنا إلى حالة من الالتفات إلى النفس والتأكيد على محوريتها.
مواقف النفس في كربلاء
نعود إلى الآية التي بدأنا بها: ﴿إِن كُنتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾، وقول سيد الشهداء عليه السلام: "أما والله إني لا أرى الموت إلا سعادة"، وقول أمير المؤمنين: "إن ابن أبي طالب آنَسُ بالموت". وحين وصف سيد الشهداء أصحابه قال: "ما رأيت منهم إلا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية دوني استئناسَ الطفل بمَحالب أمه"، فهم لا يملكون فقط روح الفداء، بل يستأنسون بالموت، أي يلتذّون به ويستمتعون، وقد شبّه سيد الشهداء استئناسهم بالموت دفاعًا عنه باستئناس الطفل بثدي أمه، وهي أقدس علاقة.
وقد أفرزت لنا كربلاء وما ترتّب عليها من إحياء قضيتين أساسيتين:
القضية الأولى: عملية الخطابة التي تعيد الإنسان إلى الأساسيات
وهي التي تعيد الإنسان إلى محورية النفس وإلى الصفات المطلوبة فيها كي تكون إيجابية، قادرة على التفكر في فضاءٍ هادئ، وعلى الإنتاج والفعل والإرادة.
القضية الثانية: التراكم التاريخي في التأكيد على النفس
فحين ننظر إلى القضايا برؤية كلية، نجد أن هذه الأمة الممتحنة، التي كان أحد أقدارها الاستبداد والفساد، تمكّنت مع ذلك من صناعة ملاحم حيّرت العقول، وهذا التراكم عبر تاريخ عاشوراء يكشف أن هناك سلامة كامنة في شخصية هذه الأمة. ومن هذه الملاحم: تمكّنها من التقاط النظام السياسي الحديث المتمثل في صندوق الاقتراع رغم غرقها في الاستبداد، وكذلك الظاهرة الأربعينية المليونية بعد عام ٢٠٠٣، حين اتجهت الملايين صوب كربلاء وعادت دون أن يُسجَّل خرقٌ أو حادثٌ، رغم أن إدارة هذا الحشد كانت تحتاج تنظيمًا هائلاً؛ وهذا يؤكد أن هذه الأمة ما زالت تحمل في عمقها تراكم السلامة النفسية.
مواقف أصحاب الحسين عليه السلام: نماذج في قوة النفس
نعود إلى الطف لنجد فيه نماذج ساطعة لقوة النفس:
قال بُرَير للحسين عليه السلام:
"لقد مَنَّ الله علينا أن نقاتل بين يديك، تُقطَّع فينا أعضاؤنا"
فهو يعتبر تقطيع أعضائه نعمة من الله!
وفي ليلة العاشر، هازل بُرَير عبدَ الرحمن الأنصاري، فلم يستوعب عبد الرحمن الأمر وقال: أما هذه ساعة باطل؟ فأجابه بُرَير: "لقد علم قومي أني ما أحببت الباطل كهلًا ولا شابًا، ولكني مستبشر بما نحن لاقون؛ والله ما بيننا وبين أن نعانق الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم".
وكذلك حبيب بن مظاهر، حين قال له يزيد بن الحصين: ما هذه الساعة الضحك؟ فقال: "وأي موضع أحقّ بالسرور من هذا؟ ما هو إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم فنعانق الحور العين".
ومعروفٌ أن اللحظات الأخيرة من حياة الإنسان عادةً ما تحمل الهمّ والقلق، لكن هؤلاء كانوا يستقبلون تلك اللحظة بحالة من الانتظار الشوقي، أشبه بقول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله حين كان ينتظر الصلاة بفارغ الشوق: "يا بلال أرحنا بها"، وهم كذلك كانوا يبحثون عن هذا الموقف.
وقد سجّل سيد الشهداء عليه السلام كلمته الخالدة:
"والله ما رأيت أصحابًا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ وأوفى من أهل بيتي"
وقال زهير بن القين لسيد الشهداء: "لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلَّدين، لآثَرْنا النهوض معك على الإقامة فيها"، وهذه كلمات لا يقولها إلا من يعي ما يقول.
وفي حوار حبيب بن مظاهر مع مسلم بن عوسجة: "عزّ عليّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنة"، فقال مسلم: "بشّرك الله بخير". فقال حبيب: "لولا أني أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إليّ بما أهمّك". فقال مسلم، وهو في ساعة النزع: "أوصيك بهذا" - وأشار إلى الحسين عليه السلام - "أن تموت دونه".
وقال عابس بن شبيب الشاكري: "ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعزّ من نفسي لفعلت"، وهو يقولها في أرض المعركة لا في وقت رفاهية.
ومن الكلمات الشهيرة التي كان يقولها من يسقط من أصحاب سيد الشهداء: "أوفيت يا ابن رسول الله؟"، حتى إن عمرو بن الحجاج، وهو من ألدّ أعداء الحسين، قال لجنده: "أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر، وقومًا مستميتين، لا يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلّتهم".
الحسين عليه السلام في ذروة الوحدة: قوة النفس المطلقة
وأخيرًا، يصف أحد خصوم الحسين حالته حين بقي وحيدًا في اليوم العاشر، بعد أن قُتل أهله وأصحابه، فيقول:
"ما رأيت مكثورًا قط، قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه، أربطَ جأشًا منه، ولا أمضى جنانًا، ولا أجرأ مقدمًا، ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شدّ فيها، ولم يثبت له أحد"
وفي ليلة العاشر، سُئل العباس عليه السلام: أولسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: "إذًا لا نبالي وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا"، فكانت هذه الكلمة تجسيدًا لذروة قوة النفس التي لا تخشى الموت ولا تُبالي به.