لماذا خلق الله الإنسان

لماذا خلق الله الإنسان؟

نأتي إلى المحور الثاني من حديثنا: لماذا خلق الله الإنسان؟ أليس الله غنيًا؟ هل يحتاج الله أن يخلق الإنسان؟ ولو لم يخلق الله الإنسان، هل كان يترتب على ذلك أي ضرر؟

يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]

فبما أن الله غنيٌّ عن خلقه وغنيٌّ عن وجوده، يبرز السؤال: لماذا خلق الله الإنسان حتى صارت هذه المآسي، وصار هذا التاريخ الأسود، وصار هناك مظلوم ومضطهد وغير ذلك؟

قاعدة فلسفية للجواب

عندما نريد أن نجيب عن هذا السؤال، ننطلق من قاعدة فلسفية مفادها: الفاعل الناقص يكتمل بفعله، أما الفاعل الكامل فغايته ذاته.

مثال الفاعل الناقص

لنمثّل لذلك بمثال تقريبي: شخصٌ لديه بخلٌ قليل، وعنده كرمٌ، لكن لديه أيضًا نصيبٌ من البخل. هذا الشخص حين يدرك أن لديه مقدارًا من البخل، ماذا يفعل؟ يقوم فيُكرم الناس، يعطيهم، ينفق عليهم؛ كما قال تعالى:

﴿الم ﴿١﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ١-٣]

هذا الإنسان ينفق ويعطي الناس؛ لماذا؟ لكي يكتسب الكرم. فهو فاعلٌ ناقص يدرك أنه ناقص، فيسعى لكي يكمل نقصه، ويقضي عليه من خلال هذا العمل. إذًا فالفاعل الناقص هدفه من عمله أن يكمل ذاته، أن يتحول إلى إنسان كريم. غايته من فعله أن يكمل ذاته.

مثال الفاعل الكامل

لكن لنأتِ إلى الفاعل الكامل. لو فرضنا أن هناك شخصًا كريمًا بطبعه، مثل حاتم الطائي الذي كان كريمًا في حد ذاته، كريمًا بطبعه، ويعطي الناس. لو سألناه: لماذا تعطي الناس وأنت كريم أصلًا، ولا تحتاج أن يقول الناس عنك "كريم"، فالناس كلها تعرف أنك كريم؟ لماذا تُغدق على الناس؟

يجيب: ليس عندي هدف من هذا، إنما هو الكرم لأنني جُبلت على الكرم، فأنا أمارس شيئًا جِبليًّا، أمارس شيئًا فطريًّا وطبعيًّا هو الكرم. ليس للكرم عندي هدف؛ هدفي من هذا الكرم أن أُظهر ذاتي، لأن ذاتي كريمة، والكرم مظهرٌ لذاتي.

الله فاعل كامل لا فاعل ناقص

نفس الشيء بين الله وبين الإنسان. الله تبارك وتعالى عندما يخلق ويرزق ويعطي ويُحيي، ما هو هدفه من ذلك؟ الله ليس فاعلًا ناقصًا حتى يحتاج إلى فعله، حتى يحتاج إلى المخلوق. هو فاعلٌ كامل، هو عين الكمال، هو محض الكمال.

إذًا لماذا خلق الخلق؟ خلق الخلق لكي يكون الخلق مظهرًا لكماله. غايته من الخلق ليست رفع حاجة، وغايته من الخلق ليست أن يكمل ذاته، وليس أن يعطي أو يصل إلى حاجة. غايته من الخلق ذاته، أي أن غايته من الخلق أن يُفيض كماله فيكون الخلق مظهرًا لكماله.

الإنسان مظهر لكمال الله

أنت أيها الإنسان مظهرٌ لكمال الله، خلقك لكي تصل إلى الكمال، خلقك الكمال لتصل إلى الكمال. لا يحتاج منك إلى شيء، أنت لا تعطي الله شيئًا، إنما خلقك تفضلًا منه لكي تصل أنت إلى الكمال، لكي تبلغ أنت الكمال. وإذا وصلت إلى الكمال صرتَ مظهرًا لله، صرتَ حاكيًا عن الله عز وجل.

كما ورد في الحديث الشريف:

"كنتُ كنزًا مخفيًّا فأحببتُ أن أُعرَف، فخلقتُ الخلق لكي أُعرَف"

فقوله "أحببت" يعني أن هذا الأمر ليس ضروريًّا، إنما هو تفضلٌ منه، وحبٌّ منه، فأحبَّ أن يُعرَف، أن يظهر كماله، فخلق الخلق لكي يُعرَف، لكي يكون هذا الخلق مظهرًا لكماله، ليس إلا.

الهدف من خلق الإنسان: الوصول إلى الكمال

إذًا الهدف من وجود الإنسان ومن خلقه أن يصل الإنسان إلى الكمال. فإذا وصل إلى الكمال أصبح مظهرًا لله، أصبح حاكيًا عن الله عز وجل، سواء وصل إلى كمال علمي، أو كمال روحي، أو كمال سلوكي، أو كمال تقني؛ فأي جهةٍ يكون فيها كاملًا، سوف يحكي عن كمال ربه.

هناك أناس عندهم كمال معرفي، وهناك أناس عندهم كمال إداري، وهناك أناس عندهم كمال سلوكي، وهناك أناس عندهم كمال شكلي. وكل كمالٍ هو يحكي عن أن الخالق كمال الكمال، أبدع الكمال وخلق الكمال. المهم أن تصل إلى الكمال.

الجمع بين آيتين

كيف نجمع بين هاتين الآيتين؟ يقول تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]

ويقول تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]

كيف نجمع بين هاتين الآيتين؟ الإنسان خُلق لكي يصل إلى الكمال، لكن كيف يصل إلى الكمال؟ هذا ما سنتناوله لاحقًا.