العتبة العلوية الشريفة، النجف الأشرف، العراق

مسؤولية الرجل عن حجاب أهله

مسؤولية الرجل عن حجاب أهله: قصةٌ من الذاكرة

استذكار من الطفولة

أذكر منذ كنت صغيرًا، حين كان عمري عشر أو اثنتي عشرة سنة، أنه كان لنا جيران يُعرَفون بآل البوشغري، وكان عندهم ما يُسمّى بـ"التحازي". وكنت أذهب إلى مجلسٍ يرتقي فيه المنبر شيخٌ يُدعى الشيخ عبد علي، وكان في يوم عاشوراء يشقّ ثوبه ويحكي قصة عن والده.

كنت حينها أستمع إليه وهو يروي: كان والدي يمشي في عقد الخمايسي، وهو أحد الأزقة في منطقة العمارة بالنجف الأشرف. وتجدر الإشارة إلى أن النجف تنقسم إلى أربعة أقسام، وكانت منطقة العمارة إحدى هذه الأقسام، وفيها كانت دارنا، دار والدي - قدّس الله روحه الشريفة.

مشهدٌ يستحق التأمل

يقول الشيخ في روايته: دخلنا أنا ووالدي في عقد الخمايسي، وفي نهاية العقد رأينا امرأةً جالسة على الأرض، على هيئة توحي بأنها في حالة ولادة. توقفنا ننظر إليها، وكنت أنا ووالدي نراقب الموقف.

فإذا بهذه المرأة تقوم وتسير بأفضل ما يمكن أن تسير به امرأة، وكان واضحًا من مشيتها أنها لا تريد أن يُرى شخصها أو قوامها. هكذا كانت نساء ذلك الزمان، يتحرّجن من هذا الأمر أشدّ التحرّج.

دلالة الموقف

هذا الموقف يكشف عن أمرٍ مهم: فحتى الرجال في ذلك الزمان، حين كانوا يمشون في شارع الرسول عند مرقد أمير المؤمنين عليه السلام، ومعهم زوجاتهم أو بناتهم، كانت الغيرة تدفعهم لمراقبة كيف تسير المرأة، وهل تسير على أحسن حال أم لا. هذه الغيرة - وإن كانت بعيدة عن الجانب الديني الصرف بمعناه الفقهي - إلا أنها تعبّر عن حسٍّ فطري أصيل.

وهذا يبيّن أن هذه مسألة مهمة، وأنه لا بد لنا أن نعرف كيف نُبرزها وكيف نحثّ الرجال على الغيرة على حجاب نسائهم، وكيف نغرس في النساء أنفسهنّ هذا الحسّ. فهذه قضيةٌ عظيمة، وهي مسؤولية طبيعية.

المسؤولية الشرعية

فأنا كزوجٍ وكأب، مسؤولٌ عن حجاب زوجتي وبنتي، ولستُ في حِلٍّ من هذه المسؤولية. والقرآن الكريم يؤكد هذا المعنى بوضوح، حيث يقول تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]

فهذه الآية الكريمة تؤكّد أن المسؤولية ليست عن النفس فقط، بل تشمل الأهل أيضًا: "أنفسكم وأهليكم"، أي أنني مسؤولٌ عن زوجتي وعن بنتي، ولا يجوز لي أن أترك الأمر هكذا من دون توجيهٍ أو رعاية.