شهر رمضان: الزمان المقدس والعلم النافع
شهر رمضان: الزمان المقدس والعلم النافع
مقدمة
قبل الله أعمالكم، ووفقتم لصيامي هذا الشهر وقيامه. سأوزّع حديثي هذا على نقطتين، فإن بقي من الوقت شيء ذكرتُ نقطة ثالثة.
النقطة الأولى: شهر رمضان زمانٌ مقدس
خطبة النبي في استقبال شهر رمضان
جاء في المقطع الأول من خطبة النبي صلى الله عليه وآله حينما أقبل شهر رمضان:
«أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، فهو شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسُكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فاسألوا الله ربكم بنياتٍ صادقةٍ وقلوبٍ طاهرة أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم».
أربعة امتيازات لشهر رمضان
قبل أن أُكمل شرح هذا المقطع، ينبغي أن نلاحظ أن شهر رمضان ليس ظاهرة بسيطة، وإنما هو ظاهرة مركّبة، إذ هو مَجمعٌ لعدة مناسبات:
- زمانٌ مقدس: هو أفضل الشهور بعيدًا عن وجوب الصوم فيه، فهو "شهر الله" في ذاته.
- فريضة الصوم: التي هي ركنٌ من أركان الإسلام، بل هي فريضة أديانية سابقة، كما قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]
وهذه الفريضة تحمل من السمة ما يميّزها عن سائر الفرائض، فقد ورد في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به»، وقد صار وعاء أيامها هو شهر رمضان.
- نزول القرآن الكريم: والقرآن يمثل معجزة الإسلام الخالدة، معجزة الرسول الأعظم التي قُدّر لها أن تحتفظ بإعجازها إلى قيام الساعة، ونزوله كان في شهر رمضان، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]
- ليلة القدر: وهي بعيدًا عن كونها ليلة نزول القرآن، فهي في نفسها زمانٌ مميز، إذ:
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]
هذه أربعة أمور اجتمعت في شهر رمضان، ومن هنا يفهم الإنسان أهمية هذا الشهر الشريف.
الميزة الأولى: الزمان المقدس
ما أريد أن أُبيّنه هنا هو أن المقطع الأول من خطبة النبي صلى الله عليه وآله جاء يصف لنا الميزة الأولى، وهي أن شهر رمضان كله زمانٌ مقدس؛ فلياليه أفضل الليالي، لا لأن الناس يقومون فيها بالليل فحسب، إذ ليس كل أحد يمتاز في شهر رمضان بالصوم؛ فالعاجز عن الصوم شهر رمضان عنده مثل شوّال. لكن الخطبة الشريفة تقول: «ولياليه أفضل الليالي»، فهو إذن زمانٌ مقدسٌ في ذاته.
الدين حينما جاء طرح لنا مقدسات: طرح الشخصية المقدسة، وطرح الكتاب المقدس، وقدّم لنا المكان المقدس، وقدّم لنا أيضًا الزمان المقدس، ومن أبرز الأزمنة المقدسة شهر رمضان الذي وُصف بأنه "شهر الله"، شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله.
تحويل الأفعال المحايدة إلى عبادة
السؤال هنا: ما معنى قوله صلى الله عليه وآله «أنفاسكم فيه تسبيح، وعملكم فيه عبادة»؟
لفهم هذا، نحتاج أن نُقسّم أفعال الإنسان وممارساته إلى أقسام:
القسم الأول: أفعال غير اختيارية، وهي ما صُمّم عليها الإنسان بطبيعته، كحركة الدورة الدموية وحركة الأجهزة الداخلية.
القسم الثاني: ممارسات اختيارية، عن وعي وقصد وإرادة، وهذه تنقسم بدورها إلى:
- أفعال عبادية بالسِّستم (بالتصميم الأصلي): مثل التسبيح والاستغفار والذكر والسجود والركوع، فهذه عبادة في ذاتها لا تحتاج إلى نية تُضاف إليها لتصير عبادة.
- أفعال حيادية: مثل الإمساك عن الطعام والشراب، فقد يكون ريجيمًا، وقد يكون عبادة، وذلك متى صُبغ بصبغة العبادية، أي أن يقوم به الإنسان امتثالًا للتوجيه الإلهي وقربةً إلى الله تعالى. فالإمساك عن الطعام ست عشرة ساعة قد يكون وصفة ريجيمية، ومتى نوى به الإنسان القربة صار صومًا عباديًا.
وكذلك السفر: فقد يذهب الإنسان إلى عرفات أو إلى "منى" سياحةً، وقد يذهب إليهما بنية القربة في موسم الحج، فتتحول العملية ذاتها من سياحة إلى عبادة.
وقد نبّه أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن الأفعال العبادية بطبيعتها، كالسجود، يمكن أن تُجهض فتتحول عن مسارها، كأن يسجد الإنسان لصنمٍ أو لجبارٍ من الجبابرة، فتنقلب العبادة إلى عبادة شركية، والعياذ بالله.
وقد قسّمت تعاليمنا هذه الأفعال إلى قسمين: قسمٌ لا يُقبل إلا بنية القربة، كالصلاة والصوم والحج والوضوء والغسل، وقسمٌ يمكن أن يُؤتى بنية القربة فيكون خيرًا على خير، كالتجارة التي لم يُطلب فيها من العبد إلا التقيّد بالتعاليم الشرعية، فإن نوى بها القربة إلى الله ليوسّع على نفسه وعياله كان ذلك لونًا من ألوان التعبد.
النوم في رمضان عبادة
من هنا نفهم قول النبي صلى الله عليه وآله: «أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة». فالنفَس يدخل في القسم الأول غير الاختياري، فالإنسان بطبيعته يأخذ شهيقًا ويُخرج زفيرًا، وكذلك النوم الذي يفرض نفسه على الإنسان. لكن النبي صلى الله عليه وآله أخذ هذا القسم الخارج عن دائرة الاختيار والإرادة، وجعله كالعبادة، دون أن يطلب فيه نيةً، بل قال إنه عبادة كالسجود والركوع.
ومن هذا نفهم ضخامة هذا الزمان المقدس: أن حياة الإنسان اليومية، ما دام ملتزمًا فيها بترك المعصية، تتحول كلها في شهر رمضان إلى أجر، لأنه لم "يُجهضها" بالحرام أو بالرياء أو بما لا يرضي الله.
إحساس الزمان المقدس
الشخص المقدس يمكن أن نحسّه ونتعرّف عليه، والكتاب المقدس بين أيدينا وهو القرآن الكريم، والمكان المقدس يمكن أن نتحسسه كمزار لأحد الأولياء أو مسجد من مساجد الله. أما الزمان المقدس فلا يُرى بالعين المجردة، وإنما نتحسسه كجوٍّ معين؛ فكلنا كمؤمنين نلاحظ أن هناك جوًّا خاصًا نتحسسه في شهر رمضان، في البيئة والمناخ والفضاء، كما نتحسس في الربيع جوًّا خاصًا لا نجده في الصيف ولا في الشتاء.
فرصة الغفران
ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وآله: «فإن الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر الشريف». وقد ورد في الروايات الشريفة أن من لم يُغفر له في هذا الشهر لم يُغفر له إلى العام المقبل. وهذه فرصة مفتوحة بلا حساب ولا كتاب، يدخل الإنسان الشهر ويخرج منه كيوم ولدته أمه، كما ورد في مناسك الحج أن الحاج يخرج من نسكه كيوم ولدته أمه فيستأنف العمل، وكذلك شهر رمضان يخرج منه الإنسان مصفرًّا من كل شيء ويبدأ مشوارًا جديدًا إلى العام المقبل.
هذا الزمان بالنسبة إلينا كمتدينين اخترنا بكامل إرادتنا ووعينا التديّن والإيمان رهانٌ يجب أن لا نُبخس حقه، فلدينا رهانٌ على الشفاعة، ولدينا كذلك رهانٌ على هذه المواسم. فمن لم يُغفر له في هذا الشهر لم يُغفر له إلى قابل، إلا أن يشهد عرفة، ونسبة من يشهدون عرفة واحد بالمليون. أما شهر رمضان فهو مائدة الكبار، والإساءة فيه لا تُحسب كالإساءة في غيره، لأنه شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله على مائدة السماء.
النقطة الثانية: العلم وسيلة لا غاية
كفى بالعلم كمالًا أن يدّعيه من ليس فيه
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: «كفى بالعلم كمالًا أن يدّعيه من ليس فيه»، وهذا دليلٌ على أن العلم كمال، إذ لا أحد يتفاخر بادّعاء ما ليس كمالًا. وقد رأينا علماء مزيّفين، لكن لم نرَ أحدًا يتفاخر بادّعاء الجهل.
وقيمة العلم تتضح من قول أمير المؤمنين عليه السلام: «قيمة كل امرئٍ ما يُحسنه»، وقد علّق عليها الخليل بن أحمد الفراهيدي بقوله إنها أحث كلمة على طلب العلم، وقال الشريف الرضي إنها كلمة لا تُصاب لها قيمة، ولا تُوزن بها حكمة، ولا تُقرن إليها كلمة، فهي سيدة الكلمات.
العلم وسيلة لا غاية
والسؤال المهم هنا: هل العلم غاية أم وسيلة؟ إن تعاليم أهل البيت عليهم السلام لم تتعامل مع العلم على أنه غاية، فضلًا عن أن يكون قيمة مطلقة، بل هو وسيلة. والمركز في فكر أهل البيت هو الإيمان وما يلحقه من تسليمٍ وإخبارٍ وحبٍّ وإرادة.
ذلك أن أنشطة النفس، كالإيمان والتسليم والحب والإرادة، تحتاج دائمًا إلى متعلَّق تتعلق به: فلا يصح أن أؤمن بلا شيء، ولا أن أسلّم لشيء غير موجود، ولا أن أحب دون أن يكون لحبي متعلَّق. وهذه المتعلّقات جميعها في الواقع، لكن الإنسان اليوم ليس على تماسٍّ مباشر مع الواقع دائمًا، فيحتاج إلى العلم كعدسة تأخذ له لقطات وصورًا عن هذا الواقع، حتى يؤمن بما عَلِمَه، ويحب ما عَلِمَه، ويبغض ما عَلِمَه.
فالعلم إنما أخذ هذا الموقع لأنه البوابة لتأمين متعلَّقات هذا المركز الذي عليه الثواب والعقاب، والسعادة والشقاء، والذي يرسم مستقبلنا، لا كمية المعلومات التي نحملها.
علم بلا عمل لا قيمة له
هنا تتضح المعادلة: علم بلا عمل لا قيمة له، إذ العلم ليس غاية في ذاته. جاء في الحديث الشريف: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». ويقول تعالى:
﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]
وقوله تعالى:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]
فهذا علمٌ سيصير وبالًا على صاحبه، إذ عقاب العالم أعظم سبعين مرة من عقاب الجاهل.
فلا العلم غاية، ولا العلم بدون عمل له قيمة، ولا العلم وحده يجرّ صاحبه إلى العمل ويفرضه عليه، فقد يكون الإنسان عالمًا يفوق غيره علمًا، لكنه في مستوى العمل يجحد بما يعلم ويستيقنه، وهذه مشكلة حقيقية: أن يعلم الإنسان ولا يتجاوب مع علمه، بل يكابر ويعاند، كما قال تعالى واصفًا حال قومٍ:
﴿كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧]
فهذا كبرٌ وحقدٌ وحسدٌ وغطرسة تجعل الإنسان يتمرد على المعلوم رغم علمه به.
الضمان الحقيقي: العمل والإخلاص
إذن العلم من أجل الإيمان، وهو وسيلة لكشف الحقيقة حتى يؤمن الإنسان بها. لكن العلم وحده ليس ضمانًا، إذ ذكر أمير المؤمنين عليه السلام أن الشيطان عبد الله ستة آلاف سنة، ثم قيل له: «اخرج فإنك رجيم»، فلم ينفعه علمه.
فالضمان إذن هو العمل، لكن العمل بلا علم أيضًا لا يكفي، كما جاء: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إلا بُعدًا»، و«المتعبد على غير فقه كحمار الطاحون، يدور ولا يبرح»، و«ركعتان من عالمٍ خير من سبعين ركعة من جاهل»، لأن العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه، بينما تنسف الجاهل نسفًا.
وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «قليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم»، وقال: «قطع ظهري اثنان: عالمٌ متهتّك، وجاهلٌ متنسّك»؛ فالأول يصدّ الناس عن علمه بتهتّكه، والثاني يصدّ الناس عن نسكه بجهله.
الرواية الجامعة
وأختم هذه النقطة برواية عن أمير المؤمنين عليه السلام تقول:
«الدنيا كلها جهلٌ إلا مواضع العلم، والعلم كله حجة إلا ما عُمل به، والعمل كله رياءٌ إلا ما كان مخلصًا، والإخلاص على خطرٍ حتى يُنظر بما يُختم له».
فهنا نفهم أن الضمان الحقيقي ليس في العلم وحده، ولا في العمل وحده، بل في حسن العاقبة، وأقصر طريقٍ إليه أن يستشعر الإنسان فقره وحاجته وعبوديته لله سبحانه وتعالى، كما في الدعاء: «إلهي لا تكلني إلى نفسي، فإنك إن وكلتني إليها تُبعدني من الخير وتُقرّبني من الشر».
خاتمة
نسأل الله أن يرزقنا حسن التعبد بين يديه، فالإخلاص على خطر، وقد يقع الإنسان في غفلةٍ بسيطة فتُطيح بكل شيء أو لا تُطيح، والعصمة كلها بيد الله سبحانه وتعالى. وبقدر ما يستشعر الإنسان هذا الفقر ويوفّر لنفسه هذه الطهارة الداخلية، بقدر ما يضمن حسن الخاتمة.
ومن هنا تأتي أهمية مجالس الوعظ والدعاء والندبة، فهي تُحيي فينا حالة التوجه والافتقار إلى الله، وتُذكّرنا برهاننا الكبير في هذا الشهر الفضيل.