الأربعين

شكر النعمة والعمل الصالح في ضوء دعاء نبي الله سليمان عليه السلام

شكر النعمة والعمل الصالح في ضوء دعاء نبي الله سليمان عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وعجّل الله فرجهم وأهلك أعداءهم.

الآية الكريمة ومناسبتها

قال الله عز وجل في كتابه الكريم:

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]

هذه الآية الكريمة تتضمّن دعاءً عظيمًا، وهو من دعاء نبي الله سليمان عليه السلام، حين كان يمرّ بجيشه على وادي النمل، وكان عليه السلام يعرف لغة الحيوانات. فقالت نملة:

﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]

ويظهر أنّ تلك النملة كانت مؤدَّبة صاحبة أخلاق طيبة، إذ قالت "وهم لا يشعرون"، أي أنّهم لا يتعمّدون الأذى، حاشاهم من ذلك. فتبسّم سليمان عليه السلام ضاحكًا من قولها، وقال داعيًا: "ربّ أوزعني أن أشكر..." إلى آخر الآية. فجاء هذا الدعاء في مقابل ما ذكرته تلك النملة، وتتميمًا لمعناها.

مضامين الآية الكريمة

إذا تأمّلنا هذه الآية الكريمة، نجد أنّها تشتمل على مضامين قرآنية جميلة ينبغي الالتفات إليها:

أولًا: وجوب شكر النعمة

تعلّمنا هذه الآية أنّ المؤمن لا بدّ وأن يشكر الله عز وجل على النعمة. وهذا اجتماعنا نفسه نعمة من نعم الله؛ هذه الوجوه الطيبة المؤمنة التي نراها، والتي يجمعها هدف واحد وهو حبّ الحسين عليه السلام، هي نعمة عظيمة يجب على المؤمن أن يشكرها.

ثانيًا: السعي نحو العمل الصالح

تقول الآية: "وأن أعمل صالحًا ترضاه". فما هو العمل الصالح؟ لو سألنا: هل مساعدة الفقراء عمل صالح؟ الجواب: فيه تفصيل. فنحن قد نساعد الفقراء، أو نتعلّم ونعلّم غيرنا، أو ندرس في الحوزة، لكن العمل الصالح الحقيقي هو ما يُبتغى به وجه الله عز وجل. أمّا إذا لم يكن الهدف من العمل هو الله سبحانه، فليس ذلك بعمل صالح، مهما كان ظاهره حسنًا.

إذن، المؤمن لا بدّ وأن يسعى نحو العمل الصالح بهذا المعنى، وأن يطلب دائمًا من الله عز وجل أن يوفّقه لذلك، كما جاء في الآية: "وأن أعمل صالحًا ترضاه".

ثالثًا: الدعاء بالإلحاق بالصالحين

ثم تقول الآية الكريمة: "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين". ونستفيد من هذا أنّ المؤمن لا بدّ وأن يدعو دائمًا، ويطلب من الله عز وجل أمورًا، منها:

  1. شكر النعم: فشكر النعمة يحتاج إلى علم وتوفيق من الله، وإلى دعاء وطلب منه سبحانه.
  2. التوفيق للعمل الصالح: وهذا ما تعلّمناه من الشطر الثاني من الآية.

دعوة إلى جمع آيات الدعاء في القرآن

أذكر أنّ سيدًا من أهل العلم كان قد جمع الآيات المتعلقة بالدعاء في القرآن الكريم، وهذا عمل جيد ينبغي الاهتمام به؛ أن يجتهد الباحث في جمع الآيات التي تشتمل على الدعاء – وقد تبلغ خمسين أو ستين أو سبعين آية – ويُبيّن ما تحمله من مفاهيم، كهذه الآية التي تحدّثت عن شكر النعمة وما هي النعمة، وكيف أنّ المؤمن لا بدّ له من طلب النعمة من الله. فهذه مفاهيم قرآنية جميلة ينبغي أن تُعرض وتُبيّن، وهي مهمة جديرة بالاهتمام.

كلّ نعمة من الله لا من حولنا وقوّتنا

يُستفاد من هذه الآية الكريمة أنّ كلّ نعمة هي من الله عز وجل، لا من تدبير الإنسان لنفسه أو من إعجابه بها. فليس الأمر أن يقول الإنسان: "أنا فعلت كذا وكذا بجهدي وشطارتي"، بل الأمر كلّه بتوفيق الله عز وجل، وليس من عندياتنا. وهذا مفهوم علمي لا بدّ وأن نلتفت إليه، وأن ندعو الله عز وجل أن يوفّقنا لمثل هذه الأعمال.

وتعلّمنا أنّ من طرق تحصيل النعم الدعاء؛ فمن أراد أن يكون فاضلًا في الحوزة العلمية، لا نقول له إنّ الطريق الوحيد هو الدراسة بجدّ فحسب، بل نقول له: أوّل شيء ورأس القائمة أن يطلب من الله عز وجل أن يوفّقه لذلك، وأن يستعين بدعاء والديه له، فذلك نور على نور.

خدمة الإمام الحسين عليه السلام كنعمة

من النعم التي نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفّقنا لها خدمة الحسين عليه السلام، وهي نعمة عظيمة، ولها أشكال متعددة.

قصة سعيد بن عبد الله الحنفي

من درجات خدمة الحسين عليه السلام العالية ما نُقل عن سعيد بن عبد الله الحنفي، أنّه في يوم عاشوراء لمّا أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يصلّي، وقف سعيد أمامه يستره بجسده، فكان الإمام يصلّي خلفه، وكان سعيد واقفًا يتلقّى السهام التي كانت تُرمى نحو الإمام، فإذا ركع الإمام ركع معه ليقيه بجسده، وإذا سجد سجد كذلك، حتى أتمّ الإمام صلاته. فما أعظم هذه الخدمة!

ولمّا أصابته السهام حتى استُشهد، قال له الإمام: "أوفيت يا ابن رسول الله". فكانت هذه الشهادة العظيمة أمنيته وشرفه. ومع ذلك، فإنّ سعيدًا لم يكتفِ بما قدّم، بل كان يشعر أنّه مقصّر في حقّ الإمام، ويقول في نفسه: أريد أن أزداد من خدمة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه.

الدعوة إلى إخلاص النية في خدمة الحسين عليه السلام

فلنحاول، يا إخوتي، أن نخدم الإمام الحسين عليه السلام بالمقدار الممكن. هذا الاجتماع المبارك هو اجتماع للمؤمنين الطيبين، وينبغي أن يكون هدفنا واضحًا ومؤكَّدًا: أن يكون الحسين عليه السلام هو الهدف الأوحد، لا أن يكون الهدف مجرّد الظهور أو الرياء أو الخجل من الناس، بل الهدف الأسمى هو حبّ الحسين وخدمته.

وهذه قضية مهمة، أطلب من الله عز وجل أن يجعلها راسخة في نفسي، وأن يوفّقني لتحقيقها. فحين ننطلق إلى عملنا بهذه النية الخالصة، نشعر بالراحة لأنّ طرفنا فيه هو أبو عبد الله الحسين عليه السلام؛ فإذا أصابنا حرّ أو برد أو تعب، ازددنا لذّة به، لأنّ ذلك كلّه في سبيل الحسين عليه السلام.

هذه المعاني موجودة، بحمد الله، مركوزة بنحو الإجمال في قلوبنا وأذهاننا، لكن المطلوب هو الالتفات إليها بالتفصيل. فكلّ هدفي هو خدمة المولى صلوات الله وسلامه عليه، وإن لم أتمكّن من تحقيق هذا المطلوب بشكل تام، فإنّي أدعو الله دائمًا: "يا ربّ، وفّقني لخدمة الإمام الحسين، واجعل هدفي الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لا غير".

وما قد يأتي من عطاء أو أجر دنيوي زائد على ذلك، فهو فضل، لكن المهمّ أن يكون الهدف الأصلي والابتدائي هو المولى صلوات الله وسلامه عليه.

ختام ودعاء

أسأل الله تبارك وتعالى بحقّ الحسين، وجدّ الحسين، وأبي الحسين، وأمّ الحسين، وأخي الحسين، والذرية الطاهرة من الحسين، أن يجعل هدفي وهدف إخوتي هو الحسين عليه السلام لا غير، وأن يشفع لنا يوم القيامة.

وأسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبّل أعمالكم، وأن يتقبّل مني هذا الجهد الضعيف، وأسألكم الدعاء جميعًا.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجمعنا في ذلك اليوم مع الحسين عليه السلام في الجنة على سفرة واحدة.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد.