٣ ذو الحجة ١٤٤٧ هجري

وفاة الإمام الباقر عليه السلام: تأمّلات وروايات

وفاة الإمام الباقر عليه السلام: تأمّلات وروايات

نستقبل ذكرى وفاة الإمام الباقر عليه السلام التي تقع في يوم الأحد، ونتيمّن بها من خلال روايتين مأثورتين عنه، عليه السلام، لعلّهما تنفعان في فهم مقامه ومنهجه.

الرواية الأولى: أسلوب الإمام الباقر في الرواية

نُقل عن الإمام الباقر عليه السلام أنه سُئل ذات مرّة عن سبب إرساله للحديث دون إسناد، فقيل له: أنت تُرسل الحديث من دون أن تُبيّن سنده. فأجاب عليه السلام بأنه إذا حدَّث بحديثٍ ولم يُسنده، فإن سنده المعروف عنده هو:

«حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه، عن جده، رسول الله صلى الله عليه وآله، عن جبريل، عن الله عز وجل»

وهذا يدل على اتصالٍ خاص بالسماء بينهم وبين الوحي، وهو الطريق الذي تُروى منه أحاديثهم عليهم السلام.

شكوى الإمام من إعراض الناس

وكان الإمام الباقر عليه السلام يقول متأسفًا:

«بلية الناس علينا عظيمة؛ إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا»

ومعنى ذلك أنهم، عليهم السلام، لا يدعون الناس إلا إلى الحق الواقع والطريق الصحيح، لكن الناس مع ذلك لا يستجيبون لدعوتهم. وهذا الكلام يُفهم في مقام التعليم والتوضيح، لا في مقام القضاء على أمرٍ خارجي أو الحكم عليه. والمقصود بقوله «لم يهتدوا بغيرنا» أن الهداية منحصرة في سلوك طريقهم سلام الله عليهم، فالإمام حريص كل الحرص على هداية الناس.

ثم يتساءل عليه السلام متعجبًا من هذا العداء المستحكم والمتأصل والمتجذر في نفوس كثير من المسلمين تجاه أهل البيت، فيقول:

«ما يُنقِم الناس منا، نحن أهل البيت؟! نحن أهل البيت الرحمة، وشجرة النبوة، ومعدن الحكمة، وموضع الملائكة، ومهبط الوحي»

فيتساءل عليه السلام: لماذا هذا النفور منّا والحقد علينا، ونحن على هذه الصفة؟ ولا يُدرى - كما يُنقل - سبب هذا الأمر.

الرواية الثانية: قصة الحسن الزياد البصري

وهذه رواية أخرى مروية في الكافي، عن الحسن الزياد البصري، يرويها فيقول:

دخلتُ على أبي جعفر عليه السلام أنا وصاحبي، فإذا هو في بيت مُنجَّد (أي مرتفع الفراش والزينة بالظاهر)، وعليه ملحفة وردية، وقد حفّ لحيته واكتحل. فسألنا عن مسائل، فلما انتهى الجواب قال لي: «يا حسن»، قلت: لبّيك. قال: «إذا كان غدًا فأْتِني أنت وصاحبك». قلت: نعم، جُعلت فداك.

فلما كان من الغد، دخلتُ عليه، فإذا هو في بيتٍ ليس فيه إلا حصير، وإذا عليه قميص غليظ. ثم أقبل على صاحبي فقال:

«يا أخا البصرة، إنك دخلت عليّ أمس وأنا في بيت المرأة، وكان البيت بيتها والمتاع متاعها، فتزيّنت لي، واشترطت عليّ أن أتزيّن لها إذا استجابت. فتزيّنت لها كما تزيّنت لي، فلا يدخل قلبك شيء»

وهذا هو المهم في الرواية: ألا يدخل قلب الرائي شيء من الشك أو سوء الظن حين يرى تبدّل حال الإمام بين يوم وآخر.

فقال له صاحبي: جُعلت فداك، قد والله دخل قلبي شيء من ذلك، وأما الآن فقد أذهب الله ما كان، وعلمت أن الحق فيما قلتَ.

وسلام الله عليه وعلاه وسلم.