زيارة الأربعين: من العقيدة إلى السلوك الحي
زيارة الأربعين: من العقيدة إلى السلوك الحي
استهلال: على شط الفرات
سيدي، وقفتُ على شطِّ الفرات معلِّمًا، وسطَّرتُ أسى الأخوة بالضمى، مشيتُ كما تمشي القصيدةُ في الهوى، مجازًا شجيًّا أو بديعًا متيَّمًا: أبا الفضل، أبا الفضل! وارتدَّ الصدى مثل نداءٍ رقيق، كأنَّ الماء بكاك ثمَّ تمى. هنا روحُك انصبَّت فراتًا ودجلة، وأهدتك للدنيا عراقًا معظَّمًا.
رحم الله من يُوالينا بقلوبٍ عادَتْ لموالاتنا، وشرَّى الله عداوتَنا من كفرَ في شيعتنا، ومن آذى الشيعةَ آذانا. رحم الله من يدعو بالسلام، وبَعُد عن فُحش الكلام. في صمتكم وفي أقوالكم، يا أحبابَ الدين، زيدوا طيبًا في أفعالكم.
عقيدتنا لا تعرف الظلم، ولا يُظلم فيها مسلمٌ ولا غيره؛ فهدايةُ السماء شرعي، وليس ذبحُ البشر طبعي، ولا التكفيرُ نهجي، سواءٌ كان المخالِف شيعيًّا أو سنيًّا، فحرمات الدماء رعتها السماء، وحفاظًا على كل الأبرياء نقول: من لم يُقاتلنا فلا يُقتَل. حياكم الله، وعظَّم الله لكم الأجر، وأحسن الله لكم العزاء.
مقدمة اللقاء
نلتقي مجددًا مع "نبض كربلاء"، عبر الطريق الرابط بين مدينتَي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وكما عوَّدناكم، نستضيف نخبًا وشخصيات حوزوية طيبة لتُلقي بمعارفها عبر أنفاس هذا الطريق. ونرحّب بضيف هذه الحلقة، سماحة السيد أحمد الأشكوري، الأستاذ في الحوزة العلمية.
زيارة الأربعين: عروجٌ إلى الله
نعيش نشوة أيامٍ تُذكِّرنا، كما ورد في الأثر، بـ"أيام الله". هذه أيامٌ فيها حركةٌ صامتة، لكنها ذات دلالاتٍ ومعانٍ راقية، لا يمكن ترجمتها بسهولة؛ نحتاج أن نغوص في عمق هذه الزيارة وعمق هذه المسيرة لعلَّنا نقدِّم بعض جواهرها.
هذه الزيارة، بحسب ظاهرها، تتحرك في مساحة جغرافية معينة، لكنها في واقعها عروجٌ إلى الله. الزائر ينطلق بجسده، لكن ما في داخله حركةٌ معنوية يقصد بها القرب إلى الله من زاوية، والاقتراب من الحسين من زاوية أخرى، إذ يرى نفسه مَدينًا لا بدَّ أن يقدِّم هذا الدَّين للحسين عليه السلام. هدف هذه الزيارة أن يلتحق الزائر بركب الحسين، وأن يكون من أنصاره، ومن أنصار الإمام المهدي عجَّل الله تعالى فرجه الشريف.
صورة مصغّرة عن المجتمع المهدوي
نشاهد في هذا المسير الطفلَ الصغير، والمرأة الكبيرة في السنِّ، والشابَّ الذي كان ينبغي أن يكون منشغلًا بقضاياه، والكلُّ يسعى أن يكون له دورٌ في هذه المسيرة، سواء كان زائرًا ماشيًا أو خادمًا للزوار.
جزءٌ من هذه الزيارة يمكن أن نصفه بأنه مساحة غيبية؛ فتعبئة هذا الجمهور بهذا الحجم، وتقديم ما ينبغي تقديمه للزائرين، أمرٌ يصعب على كثيرين إدراك كنهه، رغم أن البعض سعى في أن يغوص في هذه الزيارة ويستخرج بعض معانيها.
أهل البيت عليهم السلام هم الذين بذروا بذرة هذه الزيارة، وكان هناك حفظٌ مستمرٌّ منهم ليكون للشيعة دورٌ في الوصول إلى كربلاء، وفي بيان الانتماء للحسين، وتجسيد الهوية الحسينية العاشورائية. ومرَّ المذهب الشيعي بتحدياتٍ كبرى، فقدَّم أهل البيت نموذجًا كاملًا للتوازن، حيث أوجدوا هذه الزيارة التي تحمل تعبئة روحية وتجسيدًا أخلاقيًّا واضحًا.
نعيش صورةً مصغَّرة عن المجتمع المهدوي المنتظَر: من إيثارٍ، من تضحية، من خدمات، من اندكاكٍ وفقدانٍ للأنانية، من دعوةٍ إلى "نحن" بدل "أنا"، من تحوُّلٍ من الحالات المادية إلى الحالات المعنوية. فالإنسان مفطورٌ على حبِّ التملُّك، لكن في هذه الزيارة لا هدف للتملُّك، وإنما التضحية والإيثار، ولعلَّ ذلك أفضل تعبيرٍ عن الصورة المصغَّرة المترقَّبة في ظهور الإمام المهدي.
العقيدة والسلوك: علاقة الروح والجسد
العلاقة بين العقيدة والسلوك هي علاقة الروح بالجسد؛ فالسلوك جسدٌ ترجمانيٌّ للعقيدة، وكلما كانت العقيدة أكثر رسوخًا كان السلوك أقوى وأظهر. والعلاقة ثنائية: كما أن العقيدة بحاجةٍ إلى السلوك ليترجمها، فإن السلوك يكون سببًا لتقوية العقيدة ذاتها. فـالعقيدة روحٌ ومضمونٌ مودَعٌ في القلب، والسلوك انعكاسٌ خارجيٌّ ومرآةٌ لتلك الصورة الكامنة في النفس، ولا يمكن الانفكاك بينهما.
الشعيرة لا الطقس
زيارة الأربعين شعيرة وليست طقسًا. فالطقس حركةٌ اجتماعية موسمية، قد تكون فارغة من المحتوى وفاقدة للمقاصد، أما الشعائر فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي نظَّمها، فلا بدَّ أن تكون خلفيتها خلفية وعيٍ وفكر.
قد يقال إن بعض السائرين في هذه المسيرة لا يستطيعون ترجمة مقاصد حركتهم بوضوح، لكن حين نتعمَّق نجدهم مستحضرين لتلك المقاصد من حيث لا يشعرون، والدليل أنهم يتحدَّون ويضحُّون ويتحمَّلون، وما كان ذلك ليكون لولا أن هذه الشعيرة ذات خلفيةٍ فكرية وبصيرةٍ وارتباطٍ وثيق بالسماء.
فالكلُّ، مع اختلاف أذواقهم ومقاصدهم، يشتركون في هدفٍ واحد: الوصول إلى الحسين لا إلى كربلاء فحسب. فهي حركةٌ ذات محطتين: محطة الانطلاق من البيت إلى كربلاء، ومحطة الدعاء بالتوفيق للعودة في العام القادم. ولذلك نرى الزائر، رغم شدة التعب والحرِّ والتضحيات، يدعو الله أن يوفِّقه للمجيء ثانيةً، بل يسعى أن يأتي بأهله وأولاده مهما كانت الظروف المادية عليه شاقَّة.
الوعي والمعنى في زمن أزمة اليقين
نحن لا نعيش أزمة قحطٍ في المعلومات، بل أزمةً أخرى أشدّ: فقدان الوعي رغم كثرة المعلومات. والوعي يقوم على قضيتين: الأولى إثارة التساؤلات الوجودية الكبرى (من أين أنا؟ وإلى أين؟ ولماذا خُلقت؟)، والثانية بلوغ شاطئ اليقين، لا اليقين العقلي فحسب، بل اليقين الوجداني والفطري.
فالوعي دراسةٌ لحالة المعنى: لماذا خُلقت؟ وما هي مسؤوليتي؟ والعالم الغربي اليوم يعجُّ بحرمانٍ من المعنى، ولا يتحمَّل روح المسؤولية، فانفكَّت الأسرة، وضاع الفرد، وكثرت حالات الانتحار، ومردُّ ذلك إلى سيطرة العدمية على الأمر.
الحسين عليه السلام حقَّق في واقعة الطفِّ ما لم يكن خاصًّا بزمانه، بل رسالةً إلى قيام الساعة، انتصر فيها لثلاث حقائق: اليقين الوجداني، ومعنى الحياة وفلسفتها، وتحمُّل المسؤولية. فحين يرتبط الإنسان بالله لا يخشى شيئًا، وهذا ما عاشه الحسين في ساحة المعركة من ذروة الاطمئنان، وما عاشته السيدة زينب عليها السلام في كلماتها التي لم تهتزَّ، بل كانت تنبئ عن بصيرةٍ ووعيٍ وثباتٍ واستيضاحٍ لحقيقة المشروع الذي حقَّقته.
هذه الزيارة تحقِّق هذا الوعي، وهدفها أن يتصالح القلب مع الله، بصرف النظر عن المستوى العلمي أو العقلي للزائر. فكثيرٌ من هؤلاء الزوار، رغم أن مستواهم الدراسي قد لا يكون بالمستوى المطلوب، إلا أن مستوى الاطمئنان القلبي عندهم عالٍ، وهم يواجهون أحيانًا رسائل تهديدٍ وتبعاتٍ لكنهم يصرُّون على المجيء، مستوضحين لمعنى الحياة، متحرِّكين بدافعٍ ذاتيٍّ لا برقيبٍ خارجي، يشعرون أن الله وفَّقهم لا أنهم متفضِّلون على الحسين، تمامًا كما يشعر خدَّام المواكب الحسينية بأنهم هم الموفَّقون لا المتفضِّلون.
تطور المشروع التبليغي والإعلامي
بحسب الاستبيانات، تطوَّر اهتمام المشاركين في المسيرة عبر السنين؛ ففي البدايات كانت المشاعر تتَّجه نحو قضايا الطعام والشراب، وكأنَّ هناك تأسيسًا "لدورةٍ تسمينية"، أما اليوم فقد تراجع هذا المعنى، ونجد أصحاب المواكب أنفسهم يبادرون إلى تأسيس صلاة الجماعة، ويطلبون من الحوزة العلمية أن تزوِّدهم بمبلِّغين، بعد أن كان الأمر بالعكس.
كذلك تطوَّرت طبيعة الأسئلة من الاستفسار عن المنامات إلى الأسئلة العقائدية والفقهية، وبرز حضور الجهاز النسوي والمبلِّغات بشكلٍ لافت، حتى باتت الزائرة تستنجد بالمبلِّغة في مشاكلها الاجتماعية، بل أصبح الزائر يطلب رقم هاتف المبلِّغ ليبقى على تواصلٍ معه طوال العام، وهي ظاهرةٌ لم تكن موجودة من قبل.
في المقابل، هناك من يسعى لسرقة وهج هذه الزيارة ومضمونها، من أعداء الدين والمذهب والوطن الذين لا يروق لهم نجاحها، فلا بدَّ من رقابةٍ حوزوية تحمي أصالة هذه المسيرة وطابعها التعبُّدي، مع الحرص على التوازن بلا إفراطٍ ولا تفريط، خصوصًا في قضايا الغلوِّ ومقامات الأئمة عليهم السلام.
دور الإعلام في نقل رسالة الحسين
هناك علاقة تشاركية بين الحوزة والإعلام؛ فالحوزة تحتاج الإعلام للوصول إلى مقاصدها، والإعلام يحتاج الحوزة ليصل إلى مقاصده، وكلاهما لا يزال في منتصف الطريق. لكن المؤشرات تدلُّ على تقدُّم الخط البياني الإعلامي، إذ باتت رسالة الحسين تصل إلى غير الشيعة في بلدانٍ أخرى، رغم عدم توفُّر الفرصة لهم للتعرُّف المباشر على القضية.
وأمام هذا العالم الذي يحمل أربعة تحدِّيات كبرى، لا بدَّ للإعلام الحسيني أن يقف موقفًا واضحًا:
- مقابل الفردانية وحبِّ الأنا: زيارة الأربعين استبدلت كلمة "أنا" بكلمة "نحن".
- مقابل الحرية المفرطة غير المنضبطة: هذه المسيرة تقدِّم حريةً اختيارية لكنها عبوديةٌ للقيم الأخلاقية.
- مقابل محاولة إطفاء لغة السماء: هذه المسيرة ترتبط بالنص الديني ورسالة السماء.
- مقابل القيم الدنيوية الهابطة: الإعلام مطالَبٌ بتخفيف التضخُّم الذاتي والدعوة إلى الإيثار والتضحية.
فهذه الزيارة صامتةٌ في ظاهرها، لا تستطيع وحدها بيان كل مقاصدها، لكنها تحمل في داخلها كنوزًا وجواهر يستطيع الإعلام الهادف أن يستخرجها ويسوقها للعالم، أملًا في أن نؤسِّس بذلك حضارةً عاشورائية وأهدافًا حسينية تنقذ عالمًا يعيش أزماتٍ حادة.
ختام
نسأل الله الثبات ودوام التوفيق، وأن يكتب لضيفنا الكريم سماحة السيد أحمد الأشكوري النجاح والتوفيق، فهو يحمل رسالةً مهمة، وإيمانه بالله وإخلاصه وشعوره بالمسؤولية معالمٌ واضحة في حركته. وبهذا نصل إلى ختام هذه التغطية مع "نبض كربلاء"، على أمل اللقاء في نبضٍ آخر من مدينة الحلَّة.